تعيين عبد الرحمن سلامة محافظًا للرقة: بين إعادة هندسة النفوذ ومركزية القرار

في لحظة سياسية مفصلية تعكس التحولات العميقة التي يشهدها المشهد السوري، جاء تعيين عبد الرحمن سلامة محافظًا لمحافظة الرقة عقب توقيع اتفاق وقف إطلاق النار والاندماج الكامل بين الحكومة السورية وقوات سوريا الديمقراطية (قسد)، في خطوة تتجاوز بعدها الإداري التقليدي إلى أبعاد سياسية واقتصادية وأمنية معقدة.

إقرأ أيضاً: ماذا لو أُطلق سراح معتقلي داعش؟

إعلان غير تقليدي ورسائل سياسية واضحة:

لم يصدر الإعلان عن التعيين عبر مرسوم رسمي تقليدي، بل جاء من خلال مباركة نشرها محافظ حلب عزام الغريب عبر حسابه على إنستغرام، مستخدمًا لغة شخصية ذات دلالات سياسية مثل: “صديق درب الكفاح ومسيرة التحرير”.

هذا الأسلوب غير البروتوكولي عكس، وفق مراقبين، طبيعة المرحلة الجديدة التي يُعاد فيها ترتيب مراكز النفوذ، وتُسند فيها المناصب الحساسة لشخصيات توصف بالولاء المطلق لمركز القرار في دمشق.

من محافظ إلى “مفوض سامٍ”:

يرى محللون أن تعيين سلامة لا يقدمه كمحافظ بالمعنى الإداري التقليدي، بل أقرب إلى “مفوض سامٍ” لمركز القرار، أُرسل للإشراف على واحدة من أهم المحافظات الاستراتيجية في سوريا.

فالرقة، بما تمثله من ثقل زراعي ومائي وموقع حيوي على نهر الفرات، تُعد عقدة موارد أساسية، ما يجعل قرار إدارتها سياديًا بامتياز، تتقاطع فيه الحسابات الأمنية مع رهانات السيطرة الاقتصادية وإعادة توزيع النفوذ بعد سنوات من الإدارة الذاتية.

إنهاء الإدارة الذاتية وبداية الاستحواذ الاقتصادي:

يأتي هذا التعيين في سياق إعادة هندسة العلاقة بين الدولة المركزية ومناطق الشمال الشرقي، حيث يُطوى فصل الإدارة الذاتية لصالح نموذج اندماج يُسوّق على أنه إداري وعسكري، لكنه في جوهره اقتصادي بالدرجة الأولى، يهدف إلى إحكام السيطرة على الموارد وإدارة مرحلة ما بعد “قسد”.

عبد الرحمن سلامة… رجل بلا خطاب علني:

يبرز عبد الرحمن سلامة كشخصية مثيرة للجدل، إذ اعتاد الحضور في المشهد السياسي من دون الظهور الإعلامي المباشر. يظهر في الصور الرسمية إلى جانب الرئيس أحمد الشرع، لكنه يغيب عن المنابر والتصريحات العلنية، ولا يُعرف له خطاب سياسي واضح.

هذا الغياب الإعلامي دفع بعض المراقبين لوصفه بـ “ظل الرئيس” أو “العقل الصامت” الذي يعمل من خلف الكواليس، وهو ما يراه أنصاره ميزة في مرحلة تتطلب الحسم، بينما يراه منتقدوه مدخلًا خطيرًا لتكريس سلطة غير خاضعة للرقابة.

من الهامش الاجتماعي إلى قلب العسكرة:

ينحدر سلامة، المعروف بلقبه الحركي “أبو إبراهيم”، من مدينة عندان في ريف حلب الشمالي، وتشير تقارير إعلامية إلى أنه بدأ حياته في ظروف اجتماعية متواضعة، قبل أن يشكل اندلاع الثورة السورية عام 2011 نقطة التحول في مسيرته.

وبحسب تحقيقات استقصائية نشرتها منصات سورية مستقلة، انضم في بداياته إلى جبهة النصرة، ثم تدرج داخل هيئة تحرير الشام، وتولى قيادة لواء عمر بن الخطاب، قبل أن يصبح أحد الوجوه البارزة في جهازها الأمني، مكتسبًا خبرة واسعة في إدارة الملفات الحساسة والعمل السري.

علاقة خاصة مع الرئيس أحمد الشرع:

لا يفسَّر نفوذ سلامة الحالي بالمسار الأمني وحده، بل بعلاقته الشخصية الوثيقة مع الرئيس أحمد الشرع، وهي علاقة تعود إلى مرحلة إدلب، وتطورت لتتحول إلى شراكة غير معلنة في إدارة ملفات المرحلة الانتقالية.

وتؤكد مصادر مطلعة أن سلامة كان حاضرًا في هندسة ترتيبات سياسية وأمنية مهدت لما يُطرح بوصفه “سوريا الجديدة”، دون أن يشغل منصبًا رسميًا واضحًا، ما يثير تساؤلات حول آليات اتخاذ القرار وطبيعة الحكم.

الاقتصاد… بوابة النفوذ الأوسع:

مع اتساع نفوذه، تمدد حضور سلامة بقوة إلى المجال الاقتصادي، حيث يرأس شركة “الراقي للإنشاءات” التي نفذت مشاريع كبرى في إدلب وشمال حلب.

وتتداول أوساط محلية اتهامات – غير مثبتة رسميًا – تتعلق بـ:

1- احتكار المناقصات

2- إقصاء المنافسين

3- الحصول على أفضلية في مشاريع البنية التحتية والإسكان

كما تشير تقارير إلى دعم تركي مباشر للشركة، ما يضيف بعدًا إقليميًا لنفوذها الاقتصادي.

الرقة… بوابة الموارد والسيطرة:

يرى منتقدو سلامة أن تعيينه محافظًا للرقة يمثل حلقة جديدة في مسار إحكام السيطرة الاقتصادية على المناطق التي كانت خارجة عن سيطرة الدولة المركزية.

فالرقة تُعد:

1- خزانًا زراعيًا استراتيجيًا

2- عقدة مائية على نهر الفرات

3- ممرًا لوجستيًا حيويًا

وهو ما يثير مخاوف من إعادة إنتاج نموذج تركّز الثروة والنفوذ بيد دائرة ضيقة، شبيه بالنماذج التي ساهمت في الاحتقان الاجتماعي قبل عام 2011.

أنصار “رجل المرحلة”:

في المقابل، يرى مؤيدو التعيين أن عبد الرحمن سلامة هو “رجل المرحلة”، القادر على إدارة ملفات معقدة في بيئة هشة، وأن خلفيته الأمنية وقدرته على العمل بصمت تمكّنانه من فرض سلطة الدولة وإعادة دمج المؤسسات بعد سنوات من الفوضى وتعدد مراكز القرار.

مؤشر على شكل الدولة القادمة:

بين التأييد والانتقاد، يبقى تعيين عبد الرحمن سلامة محافظًا للرقة مؤشرًا بالغ الدلالة على شكل الدولة التي تتشكل في سوريا ما بعد الحرب، حيث:

1- تُعاد صياغة السلطة على أساس القرب من مركز القرار

2- يلعب الاقتصاد دورًا محوريًا في تثبيت النفوذ السياسي

وفي ظل غياب الشفافية حول حدود صلاحيات المحافظ الجديد، يبقى السؤال: هل يمثّل هذا التعيين خطوة نحو بناء دولة مركزية قوية، أم إعادة تدوير لنخب النفوذ القديمة بأدوات جديدة؟

سياق الاتفاق مع قسد:

يأتي هذا التطور في إطار الاتفاق الموقع بين الحكومة السورية وقوات سوريا الديمقراطية، والذي ينص على:

1- دمج المؤسسات المدنية التابعة لـ”قسد” ضمن مؤسسات الدولة

2- دمج عناصرها كأفراد في وزارة الدفاع

3- إنهاء أي تشكيلات عسكرية أو إدارية مستقلة

اقرأ أيضاً:قوات سوريا الديمقراطية: من التأسيس إلى الانهيار

اقرأ أيضاً: من سجن الصناعة إلى تخوم بغداد: خارطة الرعب الجديد بعد انسحاب قسد

حساباتنا: فيسبوك  تلغرام يوتيوب تويتر انستغرام

المزيد ايضا..
اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.