من سجن الصناعة إلى تخوم بغداد: خارطة الرعب الجديد بعد انسحاب “قسد”
أحدث الاتفاق الأخير بين الحكومة السورية الانتقالية وقوات سوريا الديمقراطية “قسد” هزة أرضية في المشهد الأمني شرق الفرات، حيث تجاوزت تداعياته مجرد تسليم مدينتي الرقة ودير الزور لتصل إلى عمق الملف الأكثر حساسية في الصراع السوري؛ وهو ملف سجون ومخيمات تنظيم “داعش”.
ومع إعلان الرئيس السوري الانتقالي أحمد الشرع عن دمج القوى الكردية في هيكلية الدولة، انتقلت عهدة آلاف المقاتلين المتطرفين من قوة مدعومة دولياً إلى واقع ميداني انتقالي يتسم بالسيولة والارتباك، مما يفتح الباب أمام تساؤلات ملحة حول قدرة السلطات الجديدة على ضبط “جيش قابع خلف القضبان” ينتظر لحظة الصفر لاستعادة نشاطه في البادية والمدن الكبرى.
سجن الصناعة بالحسكة
يظل سجن الصناعة (غويران) في مدينة الحسكة هو التحدي الأمني الأكبر والمنشأة الأكثر خطورة في العالم حالياً، حيث يضم وحده قرابة 8400 مقاتل يمثلون نخبة التنظيم العسكرية والأيديولوجية من 70 جنسية.
هذا السجن الذي لا يزال حتى الآن تحت سيطرة “قسد” بدعم فني من التحالف الدولي، يمثل “مركز الثقل” الذي يخشى الجميع انفجاره؛ فالتنظيم يرى فيه خزانه البشري الأول، وأي خلل في التنسيق الأمني بين القوات الكردية والجيش السوري في محيط الحسكة قد يشجع الخلايا النائمة على تكرار سيناريو الهجوم الكبير عام 2022، ولكن هذه المرة في ظل ظروف سياسية وميدانية أكثر تعقيداً وهشاشة.
المالكية والشدادي
بينما تنسحب القوات من المدن الكبرى، لا تزال المنشآت الأكثر تحصيناً في محافظة الحسكة تحت سيطرة “قسد”، وتحدياً في أقصى الشمال والجنوب.
يبرز سجن المالكية (ديريك) كمركز احتجاز استراتيجي يضم عناصر أجنبية عالية الخطورة بالقرب من الحدود التركية والعراقية، وبالتوازي معه، يظل سجن الشدادي (كامب ريفير) في الريف الجنوبي للحسكة محتفظاً بوضعه كمعتقل محصن يضم قيادات صف أول ومدربين عسكريين.
إن بقاء هذه القلاع السجنية بعيدة عن سلطة دمشق في هذه المرحلة يخلق حالة من “الازدواجية الأمنية” تثير مخاوف من تعرضها لهجمات خارجية مستغلة تشتت القوات الكردية بين التزامات الاتفاق وجبهات القتال.
الرقة ودير الزور: اشتباكات “الأقطان” و”المركزي” وحالة الاستعصاء
تتصدر مدينة الرقة المشهد الأمني السوري اليوم بعد أنباء متواترة عن وقوع اشتباكات وعمليات إطلاق نار داخل سجن “الأقطان” وسجن الرقة المركزي، اللذين يضمان مئات العناصر المتهمين بالانتماء لتنظيم “داعش”.
ومع بدء انسحاب قوات سوريا الديمقراطية “قسد” بموجب الاتفاق الأخير، استغل السجناء حالة الارتباك الناتجة عن انتقال السلطة للقوات الحكومية لتنفيذ تمرد داخلي ومحاولة كسر الأجنحة الأمنية.
هذا التوتر استدعى استنفاراً واسعاً وتحليقاً مكثفاً لطيران التحالف الدولي، خشية استغلال الخلايا النائمة في الخارج لهذا الفراغ الأمني لتنفيذ عمليات اقتحام وتحرير السجناء في الرقة ودير الزور.
مخيمات الهول وروج: بؤر التطرف العابرة للحدود
بموازاة السجون، تظل مخيمات الاحتجاز مثل “الهول” و”روج” تحت سيطرة “قسد” حتى اللحظة، وتضم قرابة 48 ألفاً من عائلات التنظيم.
ويمثل مخيم “الهول” بقطاعاته المتعددة، وخاصة قطاع “المهاجرات”، المحرك العقيدي والمختبر الذي يُنتج جيل “أشبال الخلافة”.
ومع تغير خارطة السيطرة في المدن المحيطة، يبرز القلق من تراجع الرقابة الدولية وتحول هذه المخيمات إلى منطلقات لعمليات إرهابية أو وجهة لتهريب السجناء الفارين من المدن التي تم تسليمها حديثاً.
كابوس بغداد: استنفار الحدود أمام الخطر المضاعف
على الجانب الآخر، تترجم بغداد مخاوفها إلى استنفار عسكري غير مسبوق، حيث تنظر إلى المحتجزين في سوريا باعتبارهم قوة بشرية تعادل ستة أضعاف العناصر النشطة داخل العراق.
ويخشى العراق من أن تؤدي خلخلة السيطرة في الرقة ودير الزور إلى تسلل مقاتلي التنظيم أو مقاتلي “حزب العمال الكردستاني” نحو أراضيه، مما قد يمنح دمشق مبرراً لتنفيذ عمليات عسكرية عابرة للحدود، وهو ما يهدد بجر المنطقة إلى دوامة صراع إقليمي جديد.
قنبلة موقوتة في وجه التوازنات السياسية
إن مستقبل سجون داعش، وعلى رأسها سجن الصناعة، بات رهيناً لمدى نجاح بنود الاتفاق الـ 14 في تحقيق استقرار أمني فعلي.
اليوم، ومع تسارع الأحداث، تبدو الجدران أكثر هشاشة من أي وقت مضى، مما ينذر بعودة التنظيم لاستنزاف المنطقة من جديد إذا لم يتم احتواء هذا المشهد بحزم ودقة.
اقرأ أيضاً:قوات سوريا الديمقراطية: من التأسيس إلى الانهيار
اقرأ أيضاً:إدارة مخيم الهول: تحركات لنساء داعش تزامناً مع هجمات قوات الحكومة