اتفاق دمشق و«قسد» وتداعياته الاقتصادية: هل يشكّل مدخلًا لإعادة بناء الاقتصاد

بعد نحو خمسة عشر عامًا من التراجع الاقتصادي الحاد، الذي تراكمت أسبابه بفعل الحرب والعقوبات وفقدان السيطرة على الموارد الحيوية، يبرز اتفاق وقف إطلاق النار الموقّع مساء الأحد بين الحكومة السورية الانتقالية و«قوات سوريا الديمقراطية» بوصفه تطورًا سياسيًا واقتصاديًا مفصليًا قد يفتح مسارًا جديدًا أمام الاقتصاد السوري.

الاتفاق، الذي ينص على تولّي الحكومة السورية الانتقالية إدارة حقوق النفط والموارد الطبيعية في مناطق شرق الفرات، لا يقتصر على كونه ترتيبًا أمنيًا أو عسكريًا، بل يلامس جوهر الجغرافيا الاقتصادية للبلاد، لا سيما أن هذه المناطق تضم النسبة الأكبر من احتياطيات النفط والغاز، إضافة إلى كونها سلة القمح الأساسية في سوريا. ومع ذلك، يظل السؤال المطروح بقوة: هل ستتمكن الحكومة في دمشق من إدارة هذه الموارد بطريقة عادلة وشاملة تسهم في إعادة الإعمار على امتداد الجغرافيا السورية، بعد سنوات طويلة من التهميش والدمار؟

منعطف اقتصادي بعد سنوات من الاستنزاف

يرى مراقبون أن الاتفاق قد يشكل نقطة تحول تاريخية، تتيح الانتقال من اقتصاد مجزأ ومتهالك إلى نموذج أكثر تكاملًا، قائم على إعادة توظيف الثروات الوطنية في مسار تنموي مستدام. غير أن نجاح هذا التحول يبقى مرتبطًا بقدرة الدولة على تجاوز إرث طويل من الفساد وسوء الإدارة، الذي طبع مرحلة حكم حافظ وبشار الأسد، وأضعف دور الموارد الطبيعية في دعم التنمية المتوازنة.

في هذا السياق، اعتبر خبير شؤون الطاقة والاقتصاد، الدكتور زياد عربش، أن الاتفاق يتجاوز أبعاده العسكرية المباشرة، ليؤسس لواقع جيواقتصادي جديد كليًا في سوريا. وأوضح أن استعادة الدولة السيطرة على ما وصفه بـ«الخزان الاستراتيجي» في المنطقة الشرقية، بما يحتويه من قمح وقطن ومياه وحقول نفط وغاز، تمثل تحولًا جوهريًا في موازين القوى الاقتصادية، ليس داخل سوريا فقط، بل على مستوى الإقليم بأكمله.

اندماج اقتصادي تحت مظلة وطنية

وأشار عربش إلى أن هذا الاندماج الاقتصادي ينبغي أن يشكّل مظلة وطنية جامعة لكل السوريين بمختلف مكوناتهم، بعيدًا عن منطق الإقصاء أو “حرق المراحل”، معتبرًا أن الاتفاق يأتي في لحظة مفصلية تضع حدًا لمسار استنزاف بدأ منذ عام 2005، وتفاقم بشكل غير مسبوق بعد عام 2011.

وأضاف أن المشهد الجديد، في حال تزامن مع رفع العقوبات وفتح المجال أمام استثمار ثروات الشمال الشرقي، قد يشكل فرصة تاريخية لانتشال الاقتصاد السوري من أزماته المتراكمة. كما أن وقف إطلاق النار وإنهاء حالة عدم الاستقرار الأمني يمهدان لبيئة اقتصادية أكثر توازنًا، قادرة على جذب الاستثمارات المحلية والدولية.

وأكد عربش أن هذا الاستقرار السياسي النسبي سينعكس انفراجًا اقتصاديًا، من خلال إعادة بناء الثقة بين مختلف مكونات المجتمع السوري، مشددًا على أن مشاركة المزارعين والصناعيين وأصحاب المشاريع المحلية في العملية التنموية ستسهم في تخفيف الاحتقان الاجتماعي، إذا ما لمس المواطنون نتائج ملموسة في حياتهم اليومية.

التكامل بين الشمال والجنوب

ويرى عربش أن جوهر التحول الاقتصادي المنشود يتمثل في شعور السوريين، في مختلف المناطق، بأنهم جزء من نسيج وطني اقتصادي واحد. ولفت إلى أن الدمج الاقتصادي بين الشمال والجنوب لا بد أن يترافق مع تبادل فعلي للاستثمارات والتجارة، بحيث تعود مشروعات النفط والغاز بالنفع على جميع المكونات، من عرب وكرد وأقليات أخرى، في إطار مصالح وطنية مشتركة.

وفي هذا السياق، أشار إلى أن مفاهيم «الجيو-اقتصاد» ونظرية «وعاء السباغيتي» تساعد في فهم طبيعة التشابك الاقتصادي المتوقع، الناتج عن تكامل التجارة والبنى التحتية، موضحًا أن اندماج مناطق شرق الفرات مع بقية الجغرافيا السورية يعزز الربط بين العوامل الاقتصادية والمكانية لتحقيق المصالح العليا للدولة.

وبحسب عربش، فإن عودة الحكومة لإدارة حقول العمر والطبقة وغيرها من المنشآت الحيوية في الشرق السوري تعني استعادة مساهمة هذه المناطق بما يقارب 70 في المئة من الناتج المحلي الإجمالي الذي كانت توفره قبل الحرب، مشيرًا إلى أن العوائد النفطية وحدها كانت ترفد الخزينة بنحو ثلاثة مليارات دولار سنويًا.

فرصة لإعادة رسم الجغرافيا الاقتصادية

واعتبر عربش أن سوريا تقف اليوم أمام فرصة حقيقية لإعادة رسم جغرافيتها الاقتصادية في مرحلة ما بعد النزاع، وتجاوز عقود من الفشل التنموي والخطط غير الفعالة التي لم تنعكس إيجابًا على المنطقة الشرقية. وشدد على ضرورة أن يقوم النموذج الجديد على مبدأ العدالة في توزيع الثروة، وضمان حقوق متساوية لجميع المواطنين، بعيدًا عن منطق المحاصصة أو التمييز.

وأشار إلى أن الموقع الجغرافي للمنطقة الشرقية، وقربها من العراق وتركيا والأردن ولبنان، يعزز ما يُعرف بـ«اقتصاديات المكان»، إذ تتيح المعابر البرية في هذه المناطق خفض تكاليف النقل بنحو 30 في المئة مقارنة بالمسارات البحرية، ما يمنح سوريا ميزة تنافسية في ربط حقول الجزيرة بالأسواق الإقليمية.

وتوقع عربش أن يؤدي هذا التحول إلى تدفقات تجارية قد تصل إلى خمسة مليارات دولار سنويًا خلال فترة قصيرة، مع إمكانية ارتفاع الصادرات السورية بنسبة تتراوح بين 25 و30 في المئة، في حال توفرت الظروف السياسية والأمنية المناسبة.

وأوضح أن منطقة شرق الفرات تمثل نحو 25 في المئة من مساحة البلاد، وتضم 88 في المئة من احتياطيات النفط الوطنية و92 في المئة من الإنتاج الخام، إضافة إلى توفيرها نحو 60 في المئة من احتياجات سوريا من القمح.

شروط التعافي وتمويل إعادة الإعمار

وأكد عربش أن المرحلة المقبلة تتطلب أولًا تثبيت الأمن بشكل كامل لحماية المنشآت الحيوية، ثم إطلاق ورش فنية متخصصة لتقييم حالة الآبار التي تعرضت لاستخراج مكثف أدى إلى فقدان الضغط في بعضها. وأضاف أن إعادة هيكلة البنية التحتية، سواء عبر استبدال الأنابيب أو تحديث منظومات النقل والتخزين، تشكل مدخلًا أساسيًا لجذب شركات دولية قادرة على رفع الاحتياطي القابل للاستخراج.

كما شدد على أن إدارة الحكومة لمجمع الثورة النفطي في حمص وحقول دير الزور ستعزز قدرتها على تمويل مرحلة التعافي الاقتصادي، لافتًا إلى مؤشرات أولية تمثلت بتحسن إمدادات الكهرباء واستقرار نسبي في سعر صرف الليرة.

وأشار إلى أن تقليص فاتورة الاستيراد وتعزيز إدارة الموارد الوطنية يبقيان مرهونين بإعادة توظيف العائدات النفطية كاستثمارات تنموية طويلة الأجل، لا كموارد ريعية أو هبات ظرفية، كما كان سائدًا في السابق.

نحو تنمية محلية لامركزية

وفي ختام رؤيته، دعا عربش إلى اعتماد نموذج تنمية محلية لامركزية يراعي خصوصية الجزيرة السورية وتنوعها الاجتماعي، مقترحًا تخصيص استثمارات تتراوح بين ستة وثمانية مليارات دولار على مدى خمس سنوات، تمول من عائدات النفط، لتطوير أنظمة الري، وزيادة إنتاج القمح إلى خمسة ملايين طن بحلول عام 2030، وإنشاء مصافٍ وصناعات تحويلية محلية لتعظيم القيمة المضافة.

وخلص إلى أن الهدف النهائي يتمثل في تحويل شرق سوريا إلى محرك رئيسي لإعادة الإعمار الشامل، مع ضمان فرص عمل وحقوق متساوية لجميع المكونات، بما يعزز الثقة المجتمعية، ويحد من الفقر والبطالة، ويمهد لاقتصاد سوري أكثر استقرارًا وانفتاحًا على محيطه الإقليمي.

اقرأ أيضاً:سورية والسعودية تتفقان على إنشاء محطتي كهرباء بالطاقة المتجددة

حساباتنا: فيسبوك  تلغرام يوتيوب تويتر انستغرام

المزيد ايضا..
اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.