تراث حمص في خطر: هل تتحول القصور الأثرية إلى مطاعم على حساب الذاكرة؟

​تواجه مدينة حمص، أحد أقدم الحواضر السورية، تحدياً جديداً يمس هويتها التاريخية. فبعد سنوات من الحرب والدمار، برز جدل واسع حول قرارات تحويل معالم أثرية فريدة مثل قصر الزهراوي وبيت الأمين إلى مشاريع استثمارية (مطاعم)، مما أثار مخاوف الخبراء من “تآكل يومي” للموروث الثقافي يتجاوز أثر القصف المباشر.

​قصر الزهراوي ودار مفيد الأمين: كنوز معمارية مهددة

​تعتبر هذه المباني نماذج حية لـ “العمارة البلقاء” (التناوب بين الحجر الأسود والأبيض) التي تميز حمص القديمة:

  • قصر الزهراوي: يعود تاريخه لعام 1262م، وهو تحفة مملوكية كانت مقراً للحاكم ومركزاً تجارياً على طريق الحرير.
  • دار مفيد الأمين: بني عام 1203م فوق طبقات أثرية تعود لعام 300م، ويُعرف بـ “دار الملاك” لارتباطه بذاكرة القديس مار إليان الحمصي.

​الاستثمار السياحي أم التدمير الممنهج؟

​أثار مشروع تحويل هذه القصور إلى مطاعم موجة انتقادات من مهندسين وباحثين، وتتلخص مخاوفهم في:

  1. عدم الملاءمة الوظيفية: تؤكد المهندسة لمى عبود أن طبيعة الفراغات والمناسيب التاريخية لهذه البيوت لا تحتمل ضغط العمل السياحي والمطابخ.
  2. تغييب القيمة الثقافية: تحويل “متحف للصناعات التقليدية” أو “دار للتوثيق” إلى مطعم يُعد تهميشاً لدور حمص كرافعة حضارية.
  3. غياب الشفافية: يرى الباحث عمار عزوز (جامعة أكسفورد) أن مشاريع إعادة الإعمار الحالية تفتقر للمشاركة المجتمعية وتكرس “العنف البطيء” ضد ذاكرة المدينة.

​تاريخ من الإهمال: من “خوذة إميسا” إلى “تل أبو صابون”

​لم تبدأ أزمة التراث في حمص مع الحرب الحالية، بل هي نتاج عقود من السياسات الخاطئة:

  • ​تدمير معالم تاريخية مثل حمام الصفا وطواحين العاصي.
  • ​بناء الملعب البلدي فوق تل أبو صابون الأثري الذي اكتُشفت فيه خوذة إميسا الشهيرة.
  • ​هدم أبواب حمص السبعة ولم يبقَ منها إلا “الباب المسدود”.

​خارطة طريق لإنقاذ هوية حمص القديمة

​يقترح المختصون رؤية بديلة لإعادة إحياء المدينة القديمة تعتمد على:

  • الترميم التشاركي: إشراك السكان في عمليات الترميم لتحويلها إلى فرص عمل وتعلم.
  • المتاحف الحية: تحويل البيوت الأثرية إلى مراكز للحرف اليدوية المندثرة بدلاً من المشاريع الاستهلاكية.
  • العدالة المكانية: الربط بين حاجات السكان المهجرين والقرارات الحكومية لضمان عودة الحياة الاجتماعية لا الاستثمارية فقط.

الخلاصة:

​حمص ليست مجرد حجارة صماء، بل هي سجل مفتوح للحضارات الرومانية والبيزنطية والإسلامية. إنقاذ قصورها من “الاستثمار الجائر” هو الخطوة الأولى لشفاء ذاكرة المدينة وإعادة بنائها على أسس تحترم الإنسان والتاريخ معاً.

إقرأ أيضاً: ذا ميديا لاين: اعتقال أول مواطن من الجالية اليهودية بتهمة تهريب ومتاجرة الآثار بدمشق

إقرأ أيضاً: من درعا إلى دمشق.. شبكات تهريب الآثار تنشط في الجنوب السوري

حساباتنا: فيسبوك  تلغرام يوتيوب تويتر انستغرام

المزيد ايضا..
اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.