تكريزة رمضان في دمشق: عادة شعبية عريقة لاستقبال الشهر الكريم

تستعيد دمشق، مع اقتراب شهر رمضان من كل عام إحدى أبرز عاداتها الشعبية المتوارثة عبر الأجيال، والمعروفة باسم “تكريزة رمضان”. وتمثل هذه العادة الدمشقية مناسبة اجتماعية مميزة تسبق حلول الشهر الفضيل، حيث تجتمع العائلات في نزهة جماعية لتوديع أيام الإفطار واستقبال أيام الصيام بروح احتفالية.

ما هي تكريزة رمضان؟

تكريزة رمضان هي نزهة تقام عادة في الأيام الأخيرة من شهر شعبان، تخرج خلالها العائلات والأقارب إلى الطبيعة أو الحدائق العامة، ويحملون معهم أطعمة منزلية تقليدية، في أجواء يغلب عليها الطابع الاجتماعي والتراثي.

وتعد التكريزة جزءاً من التراث الشعبي الدمشقي، وتعكس ارتباط المجتمع بالعادات الجماعية التي تسبق المناسبات الدينية الكبرى.

أصل كلمة “التكريزة” ودلالتها:

تعددت التفسيرات حول معنى الكلمة؛ فهناك من يربطها بفكرة توديع شهر شعبان واستقبال رمضان، فيما يرى آخرون أنها مشتقة من كلمة “كزدورة” أي التنزه.

وتشير بعض الدراسات التراثية إلى أن جذور هذه العادة قد تعود إلى العصر المملوكي، حين اعتاد أهل الشام الاحتفاء بقدوم رمضان عبر أنشطة جماعية في الهواء الطلق.

أشهر أماكن التكريزة في دمشق:

ارتبطت التكريزة تاريخياً ببساتين الغوطة وضفاف نهر بردى، ولا سيما منطقة الربوة، التي تعتبر متنفساً طبيعياً لأهالي المدينة. هناك، كانت العائلات تفترش الأرض تحت الأشجار، وسط خرير المياه وأحاديث الأقارب.

ومع التوسع العمراني وتغير الظروف، انتقلت بعض التكريزات إلى الحدائق العامة أو حتى إلى المطاعم والمنازل، لكن الفكرة الأساسية بقيت قائمة: الاجتماع قبل رمضان.

أطعمة تكريزة رمضان:

تحرص العائلات على إعداد أطباق تقليدية قد يصعب تناولها خلال أيام الصيام بسبب ما تسببه من عطش، ومنها: المجدرة، الفول، الحمص، المقالي والمشاوي، ويحمل اختيار هذه الأطعمة دلالة رمزية، إذ تُعدّ بمثابة وداع لأيام الإفطار قبل بدء الصيام.

أجواء وأنشطة اليوم:

لا تقتصر التكريزة على الطعام فقط، بل تشمل:

1- تبادل الأحاديث العائلية

2- ممارسة ألعاب شعبية مثل طاولة الزهر وأوراق اللعب

3- ترديد الأغاني التراثية والمواويل

4- أحياناً إقامة عروض عراضة شامية أو استحضار أجواء الحكواتي

وقد رسخت الدراما السورية صورة “السيران” (النزهة الجماعية) في الوعي العام، كما ظهر في مسلسل حمام الهنا، حيث جسّد الفنان رفيق سبيعي شخصية “أبو صياح”، معبّراً عن شغف الدمشقيين بالرحلات الجماعية قبل المناسبات.

الأبعاد الاجتماعية لتكريزة رمضان:

تتجاوز أهمية التكريزة الجانب الترفيهي، إذ تسهم في:

1- تعزيز الروابط الأسرية

2- جمع الأجيال المختلفة في لقاء واحد

3- تعليم الأطفال عادات شهر رمضان

4- ترسيخ قيم صلة الرحم والتسامح

كما تمتاز بأنها عادة شعبية مفتوحة للجميع، لا تتطلب تكاليف مرتفعة، ما جعلها رمزاً للتكافل الاجتماعي في المجتمع الدمشقي.

تكريزة رمضان بين الماضي والحاضر:

شهدت التكريزة تغيرات واضحة بفعل التحولات العمرانية والاقتصادية، إضافة إلى تأثيرات السنوات الصعبة التي مرت بها سوريا. فتراجعت بعض المواقع التقليدية، واختصرت بعض العائلات المناسبة في لقاءات منزلية بسيطة.

ومع ذلك، بقيت روح التكريزة حاضرة، باعتبارها مناسبة جماعية لاستقبال شهر رمضان بروح من الألفة والمحبة، مهما تبدل المكان أو تغيرت التفاصيل.

اقرأ أيضاً:شهر رمضان تحت ضغط الغلاء.. من يقف وراء القفزات السعرية؟

اقرأ أيضاً: إقبال محدود على تجهيزات رمضان في سوريا.. والأسعار ترتفع بأكثر من 50%

المزيد ايضا..
اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.