سوريا بعد التغيير السياسي: دولة غائبة وفصائل متصارعة.. وهل ينجح مشروع إعادة بناء الدولة؟

رغم مرور أشهر على التغيير السياسي في دمشق، لا تزال سوريا تبدو كبلد يخرج من الحرب دون أن يدخل فعلياً في مرحلة بناء الدولة. فالمشهد العام يظهر حالة من السيولة السياسية والفراغ المؤسسي، حيث تعجز السلطة الانتقالية عن فرض إدارة واحدة على كامل الجغرافيا السورية التي باتت مقسمة بين قوى محلية ونفوذ خارجي وفصائل مسلحة تفرض وقائعها الخاصة.

سلطة تحاول الظهور بمظهر الدولة… وواقع مقسم بين نفوذ فصائل ومصالح خارجية:

ورغم الادعاء الرسمي بالسيطرة، فإن سوريا اليوم موزعة بين سلطات متنافرة، وجيوب نفوذ مدعومة خارجياً، ومجتمعات تبحث عن حماية ذاتية في ظل غياب مؤسسات قادرة على فرض الأمن أو إدارة البلاد بشكل موحد، وفق موقع “الحل نت”.

وقد ارتكبت فصائل أمنية تابعة للسلطة الانتقالية مجازر وانتهاكات في الساحل والسويداء، في وقت تستمر فيه التوترات مع قوات سوريا الديمقراطية شرق الفرات، ما يعكس حجم الانفلات الأمني وضعف الدولة.

بعد سقوط نظام الأسد… البلاد تُدار عبر أطراف متنافسة:

منذ سقوط نظام بشار الأسد نهاية 2024، أصبحت سوريا أقرب إلى خريطة نفوذ متشظية؛ فهناك فصائل مدعومة من تركيا تدير مناطق واسعة، وقوى محلية في الجنوب تتخذ قراراتها بعيداً عن دمشق بعد فقدان الثقة بالحكومة الانتقالية، خصوصاً بعد المجازر التي استهدفت الدروز على يد قوات وميليشيات متطرفة تابعة للحكومة السورية الانتقالية بدمشق والتي لم تتحرك بشكل جدي لمحاسبة المتورطين بذلك ولا يبدو أنها تسعى بشكل حقيقي لتحقيق توافق مع الدروز والنظر بجدية بمطالبهم، بحسب “الحل نت”.

أما شمال وشرق سوريا فيشهدان انسداداً سياسياً واضحاً بين الإدارة الذاتية ودمشق، بينما تتفاوت مستويات القانون والخدمات من منطقة إلى أخرى.

“دولة فارغة” ومؤسسات غائبة.. وفق تحليل دولي:

يصف الدبلوماسي الإسباني غوستافو دي أريستيغي الدولة السورية الحالية بأنها “هيكل فارغ” عاجز عن فرض سلطته على الأرض، حيث تستغل الفصائل هذا الفراغ لتوسيع نفوذها.

ويتعمق هذا الضعف مع بروز فصائل مدعومة من تركيا تعمل خارج إطار الدولة السورية الجديدة، ومنها تعيين الحكومة الانتقالية لشخصيات مثيرة للجدل مثل أحمد الهايس “أبو حاتم شقرا”—المعاقب أميركياً منذ 2021في مناصب حساسة رغم سجلّه الحافل بالانتهاكات.

وتكشف تقارير دولية عن استمرار تمويل هذه الفصائل من أنقرة، ومن بينها “العمشات” و”الحمزات”، بل جرى استخدام بعض عناصرها كمرتزقة في ليبيا وأذربيجان، ما يعكس تعمق النفوذ التركي في شمال سوريا.

اشتباكات مع “قسد” وتوترات شرق الفرات:

وتستمر التوترات بين قوات “قسد” وقوات الدفاع السورية التابعة للحكومة الانتقالية، مع إغلاق طرق مشتركة ومنع الحركة بين مناطق السيطرة، في ظل عجز واضح من الحكومة عن ضبط الفصائل الموالية لتركيا التي تفرض قواعدها الخاصة على الأرض.

اقتصاد مدمر وبيئة غير صالحة للاستثمار:

اقتصاد سوريا اليوم “مدمر بالكامل”، وإعادة الإعمار تتطلب مليارات الدولارات من الاستثمارات. لكن غياب الدولة القوية ووضوح الإطار السياسي يجعل أي استثمار مخاطرة كبيرة، فيما يشترط الأوروبيون والأميركيون إصلاحات سياسية ومشاركة حقيقية للأقليات قبل دعم إعادة الإعمار أو رفع العقوبات.

وتشير تحليلات دولية إلى أن دمج الأقليات في الحكم شرط اقتصادي وسياسي في آن واحد، لأنه يمنح المانحين ضمانات بأن الاستقرار سيكون مستداماً.

احتقان طائفي ومجازر تهدد الوحدة الوطنية:

التوترات الطائفية في الساحل والجنوب، والانتهاكات بحق العلويين والدروز، تؤكد الحاجة الملحة إلى مصالحة وطنية شاملة وحوار حقيقي يعيد الثقة بين المكونات السورية. فاستمرار الحكم عبر الميليشيات أو الإقصاء السياسي سيقود البلاد نحو فصل جديد من الصراع الداخلي.

الرهان الحقيقي: بناء الدولة من الداخل:

أكبر تحدٍّ أمام سوريا اليوم ليس إنهاء الحرب أو جذب الاستثمارات، بل قدرة السلطة الانتقالية على إعادة بناء الدولة وتوحيد مراكز القرار ودمج جميع المكونات ضمن إطار حكم شامل.

وفي حال فشلت في ذلك، فإن سوريا قد تتجه نحو:

1- مزيد من التقسيم

2- استمرار احتقان طائفي خطير

3- نفوذ خارجي متزايد

4- سلطة شكلية لا تمثل الدولة

5- صراع طويل قد يتجدد من جديد

خلاصة:

ما يبدو اليوم كفرصة تاريخية للاستقرار قد يتحول إلى أزمة جديدة إذا لم تُبنَ دولة قوية تستوعب الجميع وتضع حداً لسيطرة الفصائل والسلاح المنفلت، لتجنب تكرار سيناريو السنوات المظلمة من الحرب.

إقرأ أيضاً: “الشيخ” يحلّ محل “المدير” و“الضابط” في مؤسسات الحكومة السورية بعد سقوط النظام

إقرأ أيضاً: هل يحكم الشيخ سوريا؟ تقارير تكشف عن سلطة موازية تتجاوز مؤسسات الدولة

المزيد ايضا..
اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.