هل سحب الذكاء الاصطناعي بساط التعاطف من تحت أقدام البشر؟
كشفت أبحاث حديثة نشرتها دورية “Nature Machine Intelligence” عن تحول درامي في علاقة الإنسان بالآلة، حيث أظهرت النتائج أن روبوتات الدردشة المدعومة بالذكاء الاصطناعي باتت تتفوق أحياناً على البشر في مهارات “التعاطف الرقمي”. هذا الاختراق العلمي يكسر احتكار الإنسان لما كان يُعرف بـ “الذكاء العاطفي”، مشيراً إلى أن نماذج اللغة الكبيرة أصبحت قادرة على تقييم وتقديم الدعم النفسي في المحادثات النصية بدقة تضاهي الخبراء المختصين، وتتجاوز بمراحل قدرة الأشخاص العاديين غير المدربين.
حين تتفوق الآلة على “القلب”.. هل سحب الذكاء الاصطناعي بساط التعاطف؟
ولم يكن هذا الاستنتاج مجرد فرضية، بل جاء نتيجة اختبارات دقيقة شملت مئات المحادثات الحقيقية والمواقف العاطفية المعقدة، حيث تمت مقارنة ردود أنظمة مثل “تشات جي بي تي” و”جيميناي” بردود بشرية واقعية. والمفاجأة كانت في قدرة هذه الخوارزميات على رصد أدق الفروق اللغوية التي توحي بالاحتواء والدعم، مما جعلها توفر استجابات أكثر تنظيماً وهدوءاً من تلك التي يقدمها البشر، خاصة في لحظات الضغط النفسي أو المحادثات التي تتطلب طولة بال وتركيزاً عالياً.
مختبرات الشعور.. كيف نجحت الخوارزميات في فك شفرة “المواساة”؟
ومع ذلك، يظل هناك خيط رفيع يفصل بين الواقع والمحاكاة، إذ يجمع الخبراء على أن الذكاء الاصطناعي لا “يشعر” بالمعنى البيولوجي، بل هو “محاكٍ بارع” يحلل مليارات البيانات النصية لإنتاج استجابة تبدو متعاطفة. فبينما يستند تعاطفنا كبشر إلى تجاربنا الشخصية ومشاعرنا الصادقة، تعتمد الآلة على مهارات إحصائية ولغوية فائقة الجودة، مما يجعلها قادرة على “هندسة” المواساة وتقديمها في قوالب لغوية مثالية قد تبدو أحياناً أكثر دفئاً من ردود فعل البشر الجافة.
خداع عاطفي أم ذكاء لغوي؟ الفرق بين “النبض” و”الكود”
هذا التفوق التقني يفتح آفاقاً واسعة في مجالات حساسة كالصحة النفسية وخدمة العملاء، حيث يمكن للروبوتات أن تكون “المسعف الأول” الذي يقدم الدعم الفوري في غياب المختصين. لكن هذه الميزة تحمل في طياتها تحديات أخلاقية جسيمة، إذ يحذر الباحثون من الاعتماد المفرط على هذا “التعاطف المصطنع”، مؤكدين أن الآلة يجب أن تظل مكملاً للرعاية البشرية وليست بديلاً عنها، فالبعد الإنساني في اتخاذ القرارات المصيرية يظل منطقة محرمة لا يمكن للكود البرمجي الوصول إليها مهما بلغت براعته.
المسعف الرقمي الأول.. هل نأتمن “الروبوت” على أسرارنا النفسية؟
إننا نقف اليوم أمام مستقبل يفرض على المطورين وعلماء النفس تحدياً مزدوجاً؛ يتمثل في تطوير أنظمة قادرة على احتواء آلام المستخدمين عاطفياً، مع الحفاظ على شفافية كاملة توضح أن هذا الحضن الرقمي ليس سوى معادلات رياضية متطورة. ففي عالم يزداد فيه الاعتماد على الشاشات، قد نجد أنفسنا نبحث عن “كلمة طيبة” من روبوت، بينما يغرق البشر في صخب الحياة بعيداً عن مهارات التواصل التي كنا يوماً ملوكها بلا منازع.