إقصاء السوريين عن سوريتهم: حين تطغى عقلية الجماعة على منطق الدولة

تواجه الدولة السورية بعد مرور أكثر من عام على التحول السياسي الأخير تحديات عميقة ترتبط باستمرار إدارتها بعقلية “الجماعة” بدلاً من عقلية المؤسسات الوطنية الجامعة ورغم الخطاب الرسمي المعلن حول بناء دولة لجميع السوريين

تظهر الممارسات على الأرض وفق تقرير لصحيفة “العربي الجديد” تكريساً لسياسات الإقصاء وتغليباً للولاءات الضيقة على معايير الكفاءة والخبرة المهنية حيث بدأت واجهة “التكنوقراط” وبعض الوجوه من الأقليات تظهر كخطوة تجميلية لتحسين الصورة الخارجية دون إحداث تغيير حقيقي في جوهر وصناعة القرار

تهميش الخبرات الوطنية وإقصاء المعارضة التاريخية

تشير المعطيات إلى غياب الفرص الحقيقية أمام آلاف الخبرات السورية في تخصصات متنوعة بما في ذلك الشخصيات التي عارضت نظام الأسد أو انشقت عنه في مراحل مبكرة وتحملت أثماناً باهظة حيث وجد هؤلاء أنفسهم خارج حسابات المرحلة الجديدة مما يعطي انطباعاً بأن معايير القبول والتعيين لم تعد ترتبط بالموقف الوطني أو النزاهة بل بمدى الانتماء لدائرة ضيقة محددة وهو ما تسبب في هدر طاقات كبرى في مجالات الدبلوماسية والإدارة والاقتصاد والإعلام والتقنية في وقت تعد فيه البلاد بأمس الحاجة لكل عقل وطني للمساهمة في إعادة الإعمار

هيمنة “الهيئة” على مفاصل القرار والتعيينات

يرصد تقرير الصحيفة تفضيلاً واضحاً في ملف التعيينات لمن كانوا محسوبين على “هيئة تحرير الشام” على حساب الكفاءات الوطنية الأخرى حيث جرى تجاهل دبلوماسيين وإعلاميين وتقنيين ذوي خبرة مقابل الدفع بوجوه شابة غير معروفة تفتقر للسجل المهني إلى مواقع حساسة وقيادية

ويرى مراقبون أن هذا السلوك يعكس عدم ثقة بالآخرين وتحويل الدولة إلى مساحة مغلقة لتوزيع الغنائم والمناصب بين “الإخوة المجاهدين” بدلاً من تحويلها إلى مؤسسة عامة تخضع لمعايير الشفافية والتنافسية

التمييز داخل المؤسسة العسكرية والفجوات الطبقية

لا يتوقف التمييز عند المؤسسات المدنية بل يمتد إلى المؤسسة العسكرية حيث تبرز فوارق واضحة بين العناصر المحسوبين سابقاً على “الهيئة” وأقرانهم من الفصائل الأخرى سواء في الرواتب أو طبيعة المهام والمواقع القيادية مما يهدد وحدة المؤسسة ويزرع الغبن داخلها

وينقل التقرير مفارقات اجتماعية حادة وصلت إلى مستوى العائلة الواحدة حيث يتقاضى خريج جامعي راتباً أقل من قريب له لا يحمل سوى الشهادة الثانوية لمجرد أن الأخير كان مقيماً في إدلب ومحسوباً على “الهيئة” بينما كان الأول مقيماً في دمشق مما يجعل الجغرافيا والانتماء السابق معياراً للدخل بدلاً من المؤهل العلمي

أزمة إدارية وتآكل الرصيد الشعبي للقيادة

تتزامن هذه السياسات مع تفشي التعيينات العائلية وتنصيب “رفاق الدرب” في مفاصل الإدارة وترسيخ مرجعية “الشيخ” الإدارية وغياب أسس العدالة الانتقالية

بالإضافة إلى تسريح الموظفين دون معايير واضحة وازدواجية الأجور وارتفاع أسعار السلع الأساسية وفواتير الكهرباء

ويؤكد تقرير العربي الجديد أن هذه الفوضى الإدارية بدأت تستنزف الرصيد الشعبي للرئيس الانتقالي أحمد الشرع الذي كان يُنظر إليه كفرصة للانتقال من منطق الفصائل إلى منطق الدولة لكنه بات في نظر قطاعات واسعة الملاذ الأخير لوقف هذا العبث في دولة لا تزال تتعثر في نهوضها وسط تحذيرات من أن إقصاء السوريين يهدد بتبديد فرصة تاريخية لبناء دولة المواطنة والمساواة.

 

اقرأ أيضاً:الحل نت: كيف استحوذ “الشرع” على بوابة سوريا المالية والحدودية؟

اقرأ أيضاً:نتنياهو: إسرائيل تطمح لعلاقات مختلفة مع سوريا رغم التحديات الجهادية

حساباتنا: فيسبوك  تلغرام يوتيوب تويتر انستغرام

المزيد ايضا..
اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.