تآكل الطبقة الوسطى في سوريا خلال سنوات الحرب… تحديات التعافي وإمكانات النهوض
تكبّدت الطبقة الوسطى في سوريا خسائر واسعة خلال سنوات الحرب، انعكست في تراجع حضورها داخل البنية الاجتماعية والاقتصادية، وهجرة شريحة كبيرة من أبنائها إلى الخارج، إضافة إلى انزلاق قسم منها نحو الفقر نتيجة تآكل القدرة الشرائية وخسارة المدخرات وتدهور مستوى المعيشة.
وبحسب دراسة صادرة عن المعهد العالي لإدارة الأعمال في دمشق، بلغت نسبة الطبقة الوسطى في المجتمع السوري قبل عام 2011 نحو 60%، لكنها تراجعت عام 2015 إلى ما بين 20 و25%، لتصل بحلول عام 2023 إلى حدود 5% أو أقل، وفق تقديرات الدراسة.
سنوات الحرب واستنزاف القاعدة الاقتصادية
يرى الخبير الاقتصادي الدكتور علي محمد أن سنوات النزاع أضعفت البنية الاقتصادية بشكل عميق، مع تراجع معظم القطاعات الإنتاجية وخروج العديد من المنشآت الصناعية والتجارية من الخدمة، ما أدى إلى فقدان أعداد كبيرة من الوظائف وفرص العمل.
ويشير إلى أن انخفاض الدخل الحقيقي للمواطنين، سواء من الرواتب الثابتة أو الأعمال الحرة، ترافق مع تراجع سعر صرف الليرة السورية وارتفاع معدلات التضخم، ما أدى إلى تآكل المدخرات واتساع دائرة الفقر. ويضيف أن غياب شبكات أمان اجتماعي فعّالة فاقم من أثر الصدمات الاقتصادية على الفئات المتوسطة.
عوامل الانكماش والهجرة
خلال السنوات الماضية، لم تعد أجور القطاع العام تكفي لتغطية الاحتياجات الأساسية، فيما تراجعت أجور القطاع الخاص بفعل التضخم وركود النشاط الاقتصادي، بحسب محمد. ويؤكد أن فئات أساسية من أبناء الطبقة الوسطى، مثل الأطباء والمهندسين والمدرسين والمحامين، شكّلت جزءاً كبيراً من موجة الهجرة التي استمرت حتى نهاية عام 2023، ما أفقد هذه الطبقة جزءاً من قوامها المهني والاجتماعي.
كما ساهم تراجع مستوى الخدمات العامة، ولا سيما في مجالات الكهرباء والمياه والتعليم والصحة، في زيادة الأعباء المعيشية على الأسر، ودفع مزيد من العائلات إلى استنزاف مدخراتها لتأمين الحد الأدنى من متطلبات الحياة.
ما تبقى من الطبقة الوسطى
يعرف محمد الطبقة الوسطى بأنها الشريحة القادرة على تأمين المسكن والتعليم والرعاية الصحية مع هامش محدود من الادخار. ويشير إلى أن هذا التعريف كان ينطبق على نسبة واسعة من السوريين قبل الحرب، إلا أن الفجوة بين الدخل وتكاليف المعيشة اتسعت لاحقاً بشكل كبير.
ويضيف أن بعض العاملين في التجارة أو الأعمال الخاصة تمكنوا من التكيف نسبياً مع تقلبات سعر الصرف وارتفاع الأسعار، إلا أن نسبتهم تبقى محدودة. وتشير تقديرات صادرة عن البنك الدولي والأمم المتحدة إلى أن أكثر من 90% من السوريين يعيشون تحت خط الفقر، ما يعكس حجم التحدي في إعادة تشكيل طبقة وسطى فاعلة.
مسارات إعادة الإحياء
يرى الخبير الاقتصادي أن إعادة بناء الطبقة الوسطى تتطلب معالجة الأسباب التي أدت إلى تآكلها، وفي مقدمتها ضعف الإنتاج والاستثمار. ويؤكد أن عودة المعامل والشركات إلى العمل، وتحفيز الاستثمار المحلي والأجنبي، وتوسيع فرص العمل، تشكل خطوات أساسية لرفع مستوى الدخل وتحريك عجلة الاقتصاد.
كما يشدد على ضرورة مواءمة الأجور مع مستويات الأسعار الحالية، وتفعيل شبكات الأمان الاجتماعي لدعم الفئات الأكثر هشاشة. وعلى المستوى الفردي، يلفت إلى أهمية دعم المشاريع الصغيرة والمتوسطة، بوصفها رافعة محتملة لخلق فرص عمل وتحسين المداخيل.
الأثر الاجتماعي لغيابها
يشير محمد إلى أن تراجع الطبقة الوسطى لا يقتصر على البعد الاقتصادي، بل يمتد إلى التأثير في جودة الخدمات التي تقدمها الفئات المهنية، ما ينعكس على المجتمع بأكمله. ويعتبر أن هذه الطبقة تمثل “صمام أمان” اجتماعياً، وأن اهتزازها ينعكس على الاستقرار الاجتماعي ومستوى الثقة بالمؤسسات.
ويخلص إلى أن استعادة دور الطبقة الوسطى تتطلب مساراً اقتصادياً وتنموياً طويل الأمد، يعيد بناء القاعدة الإنتاجية، ويعزز الاستقرار، ويحد من الهجرة، بما يتيح إعادة تشكيل توازن اجتماعي واقتصادي أكثر استدامة في البلاد.