نفط دير الزور يشعل التوتر بين العشائر والحكومة السورية بعد انسحاب «قسد»

لم تنتهِ التوترات في شرق سوريا مع انحسار قوات سوريا الديمقراطية (قسد) نحو محافظة الحسكة، إذ سرعان ما برز ملف النفط في دير الزور كأزمة جديدة بين العشائر العربية والحكومة السورية الانتقالية.

فبعد خروج «قسد» من مساحات واسعة في الجزيرة السورية، دخلت تشكيلات عشائرية كانت قد قاتلت سابقاً إلى جانبها، قبل أن تنضم لاحقاً إلى قوات الحكومة عند وصولها إلى مشارف الطبقة في محافظة الرقة. غير أن الخلاف سرعان ما تفجّر حول تقاسم عائدات النفط وإدارة الحقول.

حرق آبار واشتباكات في ريف دير الزور:

شهدت قرية طيب الفال في ريف دير الزور الشرقي إحراق بئر نفطي للمرة الثانية خلال أيام، في حين اندلعت اشتباكات عنيفة بين العشائر وقوات تابعة للحكومة الانتقالية في بلدة السوسة، على خلفية خلافات بشأن تقاسم الحصص النفطية.

وامتدت التوترات إلى منطقة الجلاء في ريف البوكمال، حيث أُضرمت النيران في منازل وتضررت بساتين نتيجة المواجهات بين مجموعات عشائرية وقوات تابعة للحكومة الانتقالية.

ولم تقتصر التحركات على أعمال تخريبية، بل شملت أيضاً احتجاجات عشائرية، إذ تداولت منصات التواصل مقاطع تُظهر تجمعات تهدد بحرق آبار النفط بالكامل إذا لم تسمح الحكومة لأبناء المنطقة بالاستمرار في استخراج حصصهم عبر “الحراقات” البدائية وبيعها للاستفادة من عائداتها.

ماذا تريد العشائر من الحكومة؟

تطالب العشائر بإعادة العمل بآلية تقاسم عائدات النفط كما كان معمولاً به خلال سيطرة «قسد» على المنطقة، حيث كانت الأخيرة تعتمد سياسة توزيع جزء من الإيرادات على العشائر العربية في دير الزور.

وبحسب مصادر محلية تحدثت لجريدة “الأخبار” اللبنانية، فإن الأهالي يسعون لتسلّم إدارة الحقول النفطية وإنشاء صيغة إدارة محلية مشابهة للنموذج السابق، في حين تصرّ الحكومة الانتقالية على فرض سيطرة مركزية كاملة على الآبار وعائداتها.

وتشير المعلومات التي حصلت عليها “الأخبار” إلى أن الحكومة أغلقت نحو 20 بئراً نفطياً في مناطق مختلفة من الجزيرة السورية ومنعت العشائر من الوصول إليها منذ انسحاب «قسد»، ما فاقم التوتر وأدى إلى اتهامات متبادلة بمصادرة “الغنائم” ومنع السكان المحليين من الاستفادة من الموارد.

إنتاج النفط في سوريا: من 600 ألف برميل إلى أقل من 50 ألفاً:

قبل عام 2011، كان النفط يشكل ركيزة أساسية للاقتصاد السوري، حيث بلغ الإنتاج عام 2010 ما بين 380 و400 ألف برميل يومياً، بعد ذروة تاريخية في التسعينيات تراوحت بين 580 و600 ألف برميل يومياً.

كانت الصادرات تقارب 150 ألف برميل يومياً، بينما يُخصص الباقي للاستهلاك المحلي، بإدارة الشركة السورية للنفط وشراكات مع شركات دولية مثل “توتال” و”شل”.

لكن مع اندلاع الحرب، انهار الإنتاج بسبب فقدان السيطرة على الحقول وتدمير البنية التحتية والعقوبات، ليتراجع في بعض الفترات إلى ما بين 24 و50 ألف برميل يومياً.

سيطرة «قسد» ثم عودة الحكومة:

منذ عام 2014، سيطرت قوات سوريا الديمقراطية على معظم حقول النفط شرق الفرات، بما في ذلك حقول العمر والتنك والجفرة وحقول رميلان في الحسكة. وخلال تلك المرحلة، تراوح الإنتاج بين 40 و80 ألف برميل يومياً، مع تقديرات أدنى وصلت إلى 15 ألف برميل في بعض السنوات، نتيجة نقص الاستثمار والأضرار التشغيلية.

في أواخر 2025 وأوائل 2026، استعادت الحكومة السورية الانتقالية السيطرة على عدد من الحقول الرئيسية في دير الزور والحسكة والرقة، وأعلنت خططاً لرفع الإنتاج إلى نحو 100 ألف برميل يومياً بعد عمليات إعادة التأهيل، رغم أن الإنتاج الفعلي قبل الاستعادة كان يتراوح بين 10 و25 ألف برميل يومياً.

أزمة نفط مرشحة للتصعيد:

تعكس الأزمة الحالية في دير الزور تعقيدات المشهد شرق الفرات، حيث تتقاطع المصالح العشائرية مع الرؤية المركزية للحكومة بشأن إدارة الموارد الطبيعية.

وفي ظل استمرار العقوبات، وضعف البنية التحتية، وتضارب المصالح المحلية، يبقى ملف النفط في سوريا أحد أكثر الملفات حساسية، مع احتمالية تصاعد التوتر إذا لم يتم التوصل إلى صيغة توافقية تضمن توزيعاً عادلاً للعائدات وتحافظ في الوقت نفسه على الاستقرار الأمني.

إقرأ أيضاً: وزارة الطاقة: تأهيل حقول النفط في شرقي سوريا قد يستغرق نحو ثلاث سنوات

إقرأ أيضاً: تمدّد سريع وأزمات تتدحرج.. هل أخطأت الحكومة الانتقالية بدخول شرق الفرات؟

حساباتنا: فيسبوك  تلغرام يوتيوب تويتر انستغرام

المزيد ايضا..
اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.