تصريح عبد القادر الحصرية حول 100 دولار يشعل الجدل في سوريا
أثار تصريح حاكم مصرف سوريا المركزي، عبد القادر الحصرية، موجة واسعة من الجدل بعد حديثه في مقابلة على قناة المشهد، أكد فيها أن مبلغ 100 دولار شهريًا قد يكفي لتأمين الحد الأدنى من متطلبات المعيشة لأسرة سورية، مستندًا إلى استمرار مجانية التعليم وبعض الخدمات الصحية كعوامل تخفف الأعباء المعيشية.
غضب شعبي وانتقادات واسعة:
وأوضح الحصرية أن الحكومة تعمل على تثبيت الاستقرار النقدي ومكافحة الفساد بهدف تحسين المستوى المعيشي، مشيرًا إلى ما وصفه بـ”حراك اقتصادي” تمثل في استيراد سيارات بقيمة تجاوزت 5 مليارات دولار خلال العام الماضي، معتبرًا ذلك مؤشرًا على تحسن بيئة الأعمال.
إلا أن هذه التصريحات قوبلت بردود فعل غاضبة وساخرة عبر وسائل التواصل الاجتماعي، حيث اعتبر ناشطون أن مبلغ 100 دولار لا يغطي حتى فاتورة الكهرباء الشهرية لأسرة واحدة، ناهيك عن الغذاء والإيجار والنفقات الأساسية الأخرى.
وكتب أحد المعلقين أن الموظف الذي يتقاضى نحو 100 دولار شهريًا “يعمل فقط لتسديد فاتورة الكهرباء”، بينما رأى آخرون أن التصريح يعكس فجوة واضحة بين الواقع المعيشي وخطاب المسؤولين.
فجوة كبيرة بين الدخل وتكلفة المعيشة في سوريا:
تشير تقديرات اقتصادية إلى أن الحد الأدنى لتكاليف معيشة أسرة سورية مكونة من خمسة أفراد بلغ نحو 7.26 مليون ليرة سورية بنهاية عام 2025، في حين قد يصل متوسط الإنفاق الفعلي إلى أكثر من 11.6 مليون ليرة شهريًا.
كما ارتفع سعر ربطة الخبز المدعوم من نحو 400 ليرة قبل سنوات إلى قرابة 4000 ليرة اليوم، وفق بيانات رسمية، ما يعكس تراجع القدرة الشرائية للمواطن السوري.
وفي العاصمة دمشق، قد يصل إيجار منزل متواضع إلى نحو خمسة ملايين ليرة شهريًا، دون احتساب فواتير الكهرباء والمياه والاتصالات. كما تُقدّر تكلفة سلة الغذاء الأساسية بحوالي 4.35 ملايين ليرة شهريًا، ما يعني أن 40% تقريبًا من دخل الأسرة يذهب لتغطية الغذاء فقط.
هذه الأرقام تبرز حجم التحدي الاقتصادي في ظل تراجع قيمة الليرة السورية وارتفاع الأسعار المستمر.
تحذيرات من تأثير رفع الرواتب دون إصلاحات:
من جانبه، قدم الخبير الاقتصادي عامر شهدا قراءة مختلفة، معتبرًا أن رفع الرواتب بنسبة كبيرة قد يكون خطوة سياسية، لكنه لا يكفي لتحسين القدرة الشرائية أو وقف التضخم ما لم يترافق مع إصلاحات نقدية وإنتاجية حقيقية.
وأشار إلى أن زيادة الأجور دون دعم الإنتاج المحلي قد تؤدي إلى موجة تضخم جديدة، خاصة في ظل اعتماد الاقتصاد السوري على الاستيراد وتراجع قيمة العملة المحلية.
وأضاف أن منظومة الدعم السابقة، التي شملت التعليم والكهرباء والخبز، ساهمت في تخفيف الأعباء المعيشية نسبيًا، إلا أن تراجع الاحتياطات المالية وارتفاع تكاليف الإنتاج جعلا استمرار هذا الدعم أكثر صعوبة.
هل انهارت الليرة السورية بالكامل؟
رغم الحديث عن تراجع الليرة بنسبة كبيرة خلال السنوات الماضية، يرى شهدا أن توصيف الانهيار بنسبة 99% مبالغ فيه، مشيرًا إلى وجود احتياطات ذهبية تقدّر بنحو 26 طنًا، ساهمت في تغطية جزء من الإصدارات النقدية الجديدة.
وأكد أن تحقيق إصلاح اقتصادي حقيقي يتطلب رؤية جماعية ومؤسساتية، مثل تشكيل مجلس وطني للإصلاح الاقتصادي يضم خبراء من مختلف الاختصاصات، لوضع سياسات متكاملة تستند إلى تقييم واقعي للإمكانات المتاحة.
الحاجة إلى خطاب اقتصادي واقعي:
تُظهر ردود الفعل الشعبية أن الفجوة بين الخطاب الرسمي والواقع المعيشي آخذة في الاتساع، خاصة مع استمرار ارتفاع تكاليف الغذاء والإيجارات والخدمات الأساسية.
ويرى مراقبون أن المرحلة الحالية تتطلب خطابًا اقتصاديًا واضحًا يعترف بحجم التحديات، ويطرح حلولًا عملية قابلة للتنفيذ، بدلًا من الاكتفاء بمؤشرات لا تعكس واقع الحياة اليومية للمواطن السوري.
إقرأ أيضاً: تحت شعار “بدنا نعيش”.. موجة احتجاجات تكشف عمق الأزمة المعيشية وفشل السياسات الحكومية
إقرأ أيضاً: أزمة غاز خانقة تضرب مدن سورية قبيل رمضان… ووعود رسمية لا تبدّد القلق