ارتفاع الدولار في سوريا: أسباب تراجع الليرة السورية وتوقعات سعر الصرف

يشهد سعر الدولار في سوريا ارتفاعاً متواصلاً في السوق الموازية، في تطور يتجاوز التقلبات اليومية المرتبطة بالعرض والطلب، ويطرح تساؤلات حول مستقبل الليرة السورية وقدرة السياسة النقدية على الحد من تراجع قيمتها.

فبعد ارتفاع الدولار من نحو 132.2 ليرة سورية جديدة في 10 أيلول إلى 140.5 ليرة في 11 تشرين الأول، سجلت تداولات الأيام القليلة الماضية نحو 141.75 ليرة للشراء و142.75 ليرة للبيع، وفق الأسعار الواردة في بيانات السوق.

وبذلك ارتفع سعر الدولار بنحو 8% خلال الفترة المذكورة، في حين بقي السعر الرسمي عند 121.5 ليرة للشراء و122.5 ليرة للبيع، ما وسّع الفجوة بين السعر الرسمي والسوق الموازية إلى أكثر من 16% عند البيع.

وتعكس هذه التطورات ضغوطاً مستمرة على سعر صرف الليرة السورية، في ظل احتياجات الاقتصاد إلى العملات الأجنبية، ومحدودية الموارد المتاحة منها، والتحديات التي تواجه السياسة النقدية والمالية.

لكن هل يمثل ارتفاع الدولار موجة مؤقتة، أم أنه يعكس اختلالات اقتصادية أعمق؟ تتطلب الإجابة متابعة تدفقات النقد الأجنبي، والتضخم، والمالية العامة، وأداء القطاع المصرفي، مع مراعاة محدودية البيانات الاقتصادية المتاحة في سوريا، التي أشار إليها صندوق النقد الدولي.

أسباب ارتفاع الدولار في سوريا: الطلب على العملات الأجنبية يتجاوز العرض

يرتبط ارتفاع الدولار في السوق السورية بعدة عوامل اقتصادية، أبرزها حاجة البلاد إلى تمويل الواردات، مقابل محدودية قدرتها على توفير العملات الأجنبية من خلال الصادرات والإنتاج المحلي.

ويعتمد الاقتصاد السوري على استيراد جزء مهم من احتياجاته من الغذاء والوقود والمواد الأولية، ما يولد طلباً مستمراً على الدولار لتسديد المدفوعات الخارجية. وفي المقابل، لا تزال القدرة التصديرية محدودة، الأمر الذي يزيد الضغط على سوق الصرف.

كما أن العجز التجاري المزمن وضعف تدفقات النقد الأجنبي قد يسهمان في استمرار الضغوط على الليرة السورية، خصوصاً عندما لا تمر التحويلات والاستثمارات عبر قنوات مصرفية قادرة على توفير العملات الأجنبية للسوق بصورة منتظمة.

ولا يعني الإعلان عن استثمارات جديدة أو مشاريع اقتصادية أن الدولار أصبح متاحاً فوراً في السوق المحلية. فالأثر الفعلي لهذه التدفقات على سعر الصرف يتوقف على موعد تنفيذ المشاريع، ومصادر تمويلها، وحجم المدفوعات التي تدخل البلاد فعلياً، ونسبة المكونات المستوردة التي تحتاج إلى تمويل بالدولار.

وبالتالي، قد تؤثر الأخبار الإيجابية عن الاستثمار في توقعات المتعاملين على المدى القصير، لكن استقرار سعر الدولار يحتاج إلى تحسن ملموس ومستدام في موارد النقد الأجنبي.

الفجوة بين السعر الرسمي وسعر الدولار في السوق الموازية

يمثل اتساع الفجوة بين السعر الرسمي وسعر الدولار في السوق الموازية أحد المؤشرات المهمة لفهم الضغوط على الليرة السورية.

فمع تسجيل الدولار نحو 142.75 ليرة للبيع في السوق الموازية، مقابل 122.5 ليرة وفق السعر الرسمي، تجاوز الفرق بين السعرين 20 ليرة سورية جديدة للدولار الواحد.

ولا تعني هذه الفجوة وحدها أن السعر الرسمي غير قابل للاستمرار، لكنها تشير إلى اختلاف ظروف الحصول على الدولار بين القنوات الرسمية والسوق الموازية، وإلى أهمية تقييم مدى توافر النقد الأجنبي فعلياً للمتعاملين.

وقد تؤدي الفجوة الواسعة إلى تأجيل بعض المتعاملين بيع ما يمتلكونه من العملات الأجنبية، أو زيادة الاعتماد على السوق الموازية، ما يحد من قدرة السعر الرسمي على عكس ظروف السوق الفعلية.

وتتصل هذه المشكلة أيضاً بقدرة مصرف سوريا المركزي على التأثير في التوقعات وإدارة السيولة. فقد أشار صندوق النقد الدولي إلى القيود التي تواجه السياسة النقدية في ظل ضعف القطاع المصرفي ومحدودية الأدوات المتاحة، مؤكداً أهمية إصلاح المصارف وتطوير الأطر القانونية والمؤسسية.

لذلك، لا يكفي إعلان سعر رسمي مستقر لضمان استقرار الليرة، ما لم تتوافر آليات موثوقة لتوفير العملات الأجنبية وإدارة السيولة وتعزيز الثقة بالنظام المصرفي.

توقعات سعر الدولار في سوريا: هل يستمر ارتفاع الليرة مقابل الدولار؟

في ظل المعطيات الحالية، يبدو استمرار الضغط على الليرة السورية مع تذبذب سعر الدولار أقرب إلى الاحتمال من حدوث انخفاض سريع ومستدام في سعر الصرف. ومع ذلك، لا تسمح البيانات المتاحة بتحديد مستوى مستقبلي موثوق للدولار أو موعد انعكاس الاتجاه.

ويستند هذا التقدير إلى ارتفاع الدولار خلال الفترة الأخيرة، واتساع الفجوة بين السعرين الرسمي والموازي، واستمرار الضغوط المرتبطة بتكاليف استيراد الغذاء والوقود.

كما أشار صندوق النقد الدولي إلى تجدد الضغوط التضخمية في عام 2026، مدفوعة جزئياً بتكاليف استيراد الغذاء والوقود والطلب المحلي. وربط توقعات تباطؤ التضخم في عام 2027 بتراجع ضغوط الاستيراد واتباع سياسات مالية ونقدية منضبطة.

لكن مسار سعر الصرف سيظل مرتبطاً بتطورات العرض والطلب على العملات الأجنبية، ومدى قدرة الاقتصاد السوري على زيادة الإنتاج والصادرات، وتحويل الاستثمارات والتحويلات المالية إلى تدفقات فعلية عبر القنوات المصرفية.

السيناريو الأول: استمرار ارتفاع الدولار وتذبذب الليرة

قد يستمر الضغط على الليرة إذا بقي الطلب على الدولار مرتفعاً، من دون زيادة مقابلة في المعروض من العملات الأجنبية.

ويزداد هذا الاحتمال إذا ارتفعت تكاليف الاستيراد، أو تراجعت الثقة بالسوق، أو توسع الإنفاق العام من دون موارد مالية مستدامة.

السيناريو الثاني: استقرار سعر الصرف وتراجع الفجوة

يتطلب تحسن سعر صرف الليرة السورية توافر مؤشرات اقتصادية ملموسة، أبرزها زيادة تدفقات النقد الأجنبي عبر المصارف، وتحسن الصادرات والإنتاج المحلي، واستقرار أسعار الواردات، واتباع سياسات مالية ونقدية أكثر انضباطاً.

وقد يسهم تحقق هذه العوامل في تقليص الفجوة بين السعر الرسمي والسوق الموازية، والحد من الطلب الاحترازي على الدولار.

ومع ذلك، فإن انخفاض سعر الدولار بصورة مستدامة يحتاج إلى تحسن فعلي في الأسس الاقتصادية، وليس إلى إجراءات سعرية مؤقتة أو توقعات غير مدعومة بتدفقات نقدية حقيقية.

أربعة مؤشرات يجب مراقبتها لتوقع اتجاه الدولار في سوريا

لا يمكن الاعتماد على حركة الدولار اليومية وحدها لتحديد الاتجاه المقبل لسعر الصرف. ويحتاج تقييم الوضع إلى متابعة أربعة مؤشرات رئيسية:

  1. الفجوة بين السعر الرسمي والسوق الموازية: اتساعها قد يشير إلى استمرار الاختلالات في توافر العملات الأجنبية.
  2. أسعار الغذاء والوقود: ارتفاع تكاليف الاستيراد قد يزيد الضغط على الطلب على الدولار ويرفع معدلات التضخم.
  3. التحويلات والاستثمارات الخارجية: الأهم هو حجم الأموال التي تدخل فعلياً إلى البلاد وتصبح متاحة عبر القنوات المصرفية.
  4. الصادرات والإيرادات العامة: تحسن الموارد الفعلية يساعد على تخفيف الضغوط الخارجية والحد من مخاطر تمويل الإنفاق بطرق غير مستدامة.

وتكتسب المؤشرات المالية أهمية إضافية في ظل بيانات نقلتها إحدى القنوات الفضائية عن تسجيل عجز مالي بنحو مليار دولار خلال النصف الأول من عام 2026. ويستدعي هذا الرقم التحقق من مصدره ومنهجيته، كما يعزز أهمية متابعة مصادر تمويل الإنفاق العام ومدى استدامة الإيرادات الحكومية.

هل يشهد الاقتصاد السوري انهياراً جديداً في سعر الصرف؟

لا يثبت ارتفاع الدولار وحده أن الاقتصاد السوري يتجه نحو انهيار جديد، لكنه يكشف عن استمرار الضغوط على الليرة، في ظل عدم ظهور مؤشرات كافية على زيادة مستدامة في عرض النقد الأجنبي أو تحسن أدوات إدارة السوق.

ويتمثل التحدي أمام السياسة الاقتصادية السورية في تحويل الاستثمارات المعلنة وتحسن النشاط الإنتاجي إلى تدفقات مالية قابلة للقياس، بالتوازي مع إصلاح القطاع المصرفي، وتحسين إدارة السيولة، وتعزيز الثقة بالسياسات النقدية والمالية.

في المحصلة، يبقى استمرار تذبذب سعر الدولار تحت الضغط أحد السيناريوهات المرجحة في سوريا، ما لم تظهر مؤشرات واضحة على تحسن تدفقات العملات الأجنبية وتراجع الفجوة بين السعر الرسمي والسوق الموازية.

أما المسار المستقبلي لليرة السورية، فسيتحدد بقدرة الاقتصاد على توفير موارد مستدامة من النقد الأجنبي، وضبط التضخم، وتحسين الإنتاج والصادرات، وتعزيز الثقة بالقطاع المصرفي والسياسات الاقتصادية.

إقرأ أيضاً: الصندوق السيادي السوري والأصول المستردة: هل تتحول الثروة العامة إلى استثمارات منتجة؟

المزيد ايضا..
اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.