“البسطات” في دمشق… بين متطلبات التنظيم وضغوط المعيشة
تتكرر مشاهد الكرّ والفرّ في شوارع مدينة دمشق، ولا سيما في المناطق الحيوية والشعبية، مع انطلاق حملات البلدية لإزالة الإشغالات من الأرصفة والطرقات. فمع بداية كل أسبوع تقريباً، تنتشر الدوريات في الشوارع الرئيسية، فيما يسارع أصحاب العربات الجوالة و”البسطات” إلى الانسحاب نحو الأزقة الفرعية أو التواري مؤقتاً بانتظار انتهاء الحملة.
هذا المشهد بات مألوفاً في مناطق مثل شارع الثورة والبرامكة والفحامة وبرزة وجسر الحرية، حيث يتقاطع سعي الجهات المعنية إلى فرض الانضباط وتنظيم وسط المدينة مع واقع اقتصادي يدفع كثيرين إلى التمسك بالبيع عبر “البسطات” كمصدر دخل يومي.
احتجاجات ومطالب بالبدائل
صباح الاثنين، نظم عدد من أصحاب “البسطات” وقفة احتجاجية في وسط دمشق، قرب باب كلية الحقوق، اعتراضاً على حملات الإزالة التي تنفذها المحافظة. وطالب المحتجون بالتراجع عن الإجراءات التي يرون أنها تهدد مصدر رزقهم الوحيد، مؤكدين أن العمل عبر العربات الجوالة يشكّل مورد الدخل الأساسي لهم ولعائلاتهم في ظل ارتفاع تكاليف المعيشة وغياب فرص العمل البديلة.
وبحسب ما أفاد به مشاركون في الوقفة، فإن تحركاً أمنياً أعقب الاحتجاج، تلاه اجتماع عقدته محافظة دمشق مع عدد من المتضررين لبحث مطالبهم.
بين الحاجة إلى العمل ومتطلبات التنظيم
عدد من أصحاب “البسطات” في منطقة البرامكة أوضحوا أن لجوءهم إلى هذا النشاط جاء نتيجة البطالة وتراجع فرص العمل، معتبرين أن إزالتها تعني فقدان مصدر الدخل الوحيد لعائلات كثيرة. وقال أحد الباعة تحت جسر الحرية إنهم لا يرفضون التنظيم بحد ذاته، بل يعترضون على الإزالة الكاملة أو نقلهم إلى مناطق بعيدة تفتقر إلى الحركة التجارية.
ويؤكد بعضهم استعدادهم للالتزام بضوابط تنظم أماكن البيع وساعات العمل، شريطة أن تتيح لهم الاستمرار في نفس النطاق الجغرافي الذي يؤمن حركة زبائن كافية.
في المقابل، يشير سكان في أحياء البرامكة والفحامة وزقاق الجن إلى أن الانتشار العشوائي للعربات الجوالة ينعكس سلباً على حركة المرور والمشاة، خصوصاً في الشوارع الضيقة والمكتظة. ويقول بعض الأهالي إن الأرصفة لم تعد صالحة لاستخدام المشاة، ما يسبب ازدحاماً يومياً ويؤثر على انسيابية السير، فضلاً عن تشويه المشهد العام للمدينة.
ورغم تفهمهم للظروف المعيشية الصعبة، يدعو هؤلاء إلى حلول تنظيمية واضحة توازن بين حق العمل والحفاظ على النظام العام، معتبرين أن المشكلة تكمن في غياب إطار منظم يحدد أماكن البيع وآلية العمل.
المحافظة: لا حلول آنية
من جهته، قال مدير دائرة الأملاك في محافظة دمشق، عبد الغني المحمود، إن معالجة قضية الباعة المتجولين في وسط المدينة لا يمكن أن تتم عبر حلول سريعة أو مؤقتة، مشيراً إلى أن الظاهرة تتسبب بأزمات متكررة في الشوارع وتؤثر على حركة السير والمارة.
وأوضح أن أي حل جذري يتطلب خطة استراتيجية مدروسة، لافتاً إلى أن المحافظة تعقد ورشات عمل لبحث بدائل مناسبة وتنظيم عمل الباعة. وأشار إلى أن مواقع خُصصت سابقاً كأسواق بديلة، إلا أن الالتزام بها لم يكن كاملاً، في حين يعزو بعض الباعة ذلك إلى ضعف الإقبال وقلة الحركة التجارية في تلك المواقع.
حملة شاملة ومواقع بديلة
وكانت محافظة دمشق قد أطلقت في نيسان الماضي حملة لإزالة الإشغالات العشوائية من الأرصفة والطرقات والممتلكات العامة، مؤكدة أنها وفّرت مواقع بديلة قبل تنفيذ الإزالة، وأن الهدف هو الحد من العشوائية وتحسين المشهد العام وضمان انسيابية الحركة.
وحددت المحافظة 11 موقعاً مؤقتاً كساحات بيع بديلة، موزعة في عدة أحياء من العاصمة، ضمن خطة لتنظيم الأسواق الشعبية وتحقيق توازن بين حقوق الباعة ومصلحة المواطنين.
سياق اقتصادي أوسع
شهدت شوارع دمشق خلال الأشهر الأخيرة زيادة ملحوظة في انتشار “البسطات”، بالتزامن مع تراجع فرص العمل وارتفاع معدلات البطالة، خاصة بعد فقدان أعداد من موظفي القطاع العام وظائفهم. كما ساهم تدفق كميات كبيرة من البضائع وملابس “البالة” في تنشيط هذا النمط من البيع.
وبين مطالب الباعة بالحفاظ على مصدر رزقهم، وسعي الجهات المعنية إلى فرض الانضباط وتنظيم الفضاء العام، تبقى الإشكالية قائمة بانتظار حلول عملية توازن بين الحاجة الاجتماعية ومتطلبات الإدارة الحضرية في العاصمة.
اقرأ أيضاً:فوضى الإيجارات في حي الحجر الأسود بريف دمشق: سكن مدمّر بأسعار تفوق القدرة المعيشية