أسعار المحروقات في سورية بين سعرين للدولار وواقع معيشي هش
تشهد أسعار المشتقات النفطية في سورية حالة مستمرة من عدم الاستقرار، في ظل تعديلات شبه أسبوعية تُجريها الشركة السورية للبترول على تسعيرة البنزين والمازوت، معتمدة على سعر صرف للدولار يختلف عن السعر الرسمي لمصرف سورية المركزي وسعر السوق الموازية، ما يخلق حالة من الضبابية لدى المستهلكين والتجار على حد سواء.
وتعتمد الشركة السورية للبترول في تسعير المحروقات على سعر صرف متغيّر لا يلتزم بالنشرة الرسمية للمصرف المركزي ولا بسعر التداول في السوق الموازية، إذ في بعض الأحيان يكون هذا السعر أعلى من السعر الرسمي وأقل من سعر السوق، أو يتجاوزهما معاً أحياناً أخرى، ما يؤدي إلى فجوة تسعيرية تربك حركة السوق وتفتح الباب أمام موجات جديدة من الغلاء.
في مثال حديث، حدّد مصرف سورية المركزي سعر صرف الدولار عند 11 ألف ليرة للمبيع والشراء، فيما بلغ سعر السوق الموازية نحو 12,250 ليرة للشراء و12,350 ليرة للمبيع، بينما اعتمدت الشركة السورية للبترول سعراً وسطياً للمحروقات بلغ 12,100 ليرة للدولار الواحد، ما يعكس غياب مرجعية واضحة للتسعير.
تأثير مباشر على المعيشة
ويترتب على هذا التذبذب اليومي تأثيرات مباشرة على حياة السوريين، خصوصاً العاملين في قطاعات تعتمد على المحروقات. وقال شادي داود، سائق سيارة أجرة في دمشق، إن تغيّر سعر البنزين شبه اليومي يضعه أمام مخاطر الخسارة المستمرة، إذ أصبح من الصعب تحديد أجرة الرحلات في ظل ارتفاع التكاليف وعدم استقرارها.
وأشار محمد سلطان، سائق ميكروباص على خط جرمانا – دمشق، إلى أن الأجور المحددة تصبح غير واقعية بعد فترة قصيرة من صدورها بسبب التغير المستمر في أسعار المحروقات، مما يضع السائق أمام خيار العمل بخسارة أو رفع الأجرة وتحمل غضب الركاب، في ظل غياب أي دعم أو تعويض.
وبالنسبة للمواطنين العاديين، قالت نبيهة العاص، ربة منزل، إن أي ارتفاع في أسعار المحروقات ينعكس فوراً على أسعار السلع الأساسية والخضروات والفواكه، مشيرة إلى أن التغيرات الطفيفة تتراكم سريعاً لتشكل عبئاً كبيراً على القدرة الشرائية للأسر.
تأثير على الأسواق والتجارة
ويرى التجار أن التذبذب في أسعار المحروقات يفرض عليهم اعتماد سياسة تسعير احترازية. وقال شعبان المحمد، صاحب سوبر ماركت في المزة بدمشق، إن العلاقة بين أسعار المحروقات وأسعار السلع علاقة طردية لا يمكن فصلها، مشيراً إلى أن أي تغيير في تكلفة النقل يدفع التجار إلى رفع أسعارهم لتجنب الخسائر، وقد تصل كلفة النقل أحياناً إلى 100 ألف ليرة سورية للرحلة الواحدة.
آلية التسعير الرسمية وتحديات السوق
وأوضح مدير الاتصال الحكومي في وزارة الطاقة، أحمد سليمان، أن التعديلات التي تطرأ على أسعار المحروقات تأتي في إطار “المواءمة الدورية” مع سعر الصرف المعتمد، وتهدف إلى ضمان استقرار تأمين المحروقات ومنع حدوث اختناقات، مشيراً إلى أن البنزين والمازوت متوفران بكميات غير محدودة في المحطات، وأن أي تجاوزات في التسعير يتم التعامل معها عبر الجهات الرقابية.
وأشار سليمان إلى أن سورية تنتج جزءاً من احتياجاتها من المشتقات النفطية، ما قد يسهم مستقبلاً في تخفيض الأسعار. ولفت إلى أن مصفاة بانياس تعمل بنسبة تقارب 80% من طاقتها الإنتاجية، بينما تتراوح نسبة تشغيل مصفاة حمص بين 30 و40%.
مخاوف من استمرار عدم اليقين
مع ذلك، يرى اقتصاديون أن التبريرات الرسمية لا تزيل المخاوف في الأسواق. وقال الخبير الاقتصادي كرم شعار إن التعديلات شبه اليومية تعكس غياب سياسة تسعير مستقرة وواضحة، موضحاً أن المشكلة ليست فقط في مستوى الأسعار، بل في عدم القدرة على التنبؤ بها، ما يدفع التجار إلى رفع أسعارهم استباقياً، ويزيد من سرعة التضخم ويضعف الثقة بالتسعيرة الرسمية. وأكد شعار أن تثبيت سعر الصرف لفترة زمنية محددة أصبح ضرورة لتخفيف الفوضى في الأسواق.
وبينما تربط الجهات الرسمية التعديلات بضمان توفر المشتقات النفطية، يبقى المواطن السوري الحلقة الأضعف في معادلة التسعير غير المستقرة، إذ ينعكس أي تغيير على كلفة النقل والسلع الأساسية، ويزيد من أعباء المعيشة، في ظل استمرار التعديلات شبه اليومية وغياب سياسة واضحة قابلة للتنبؤ، مما يفاقم التحديات الاقتصادية اليومية.
اقرأ أيضاً:نزيف المازوت في سوريا: هدر الثروة الوطنية يفضح أزمة إدارة قطاع المحروقات