فوضى لوحات سيارات الأجرة في دمشق: ازدحام متزايد ومنافسة غير متكافئة
على الرغم من التصريحات الرسمية المتكررة بشأن تنظيم قطاع النقل وضبط المخالفات داخل العاصمة دمشق، تشهد شوارع المدينة حالة من الفوضى المتصاعدة في عمل سيارات الأجرة، مع ازدياد أعداد السيارات التي تحمل لوحات تسجيل من محافظات أخرى وتعمل بشكل يومي داخل المدينة. هذا الواقع أسهم في تفاقم الازدحام المروري، وخلق حالة من المنافسة غير المتوازنة انعكست بشكل مباشر على دخل سائقي التاكسي المرخصين في دمشق.
وتأتي هذه الظاهرة في وقت يواجه فيه السائقون أوضاعًا معيشية صعبة، وارتفاعًا مستمرًا في تكاليف التشغيل من محروقات وصيانة وقطع تبديل، مقابل غياب تنظيم واضح يحدد آلية العمل داخل العاصمة، ومن يحق له نقل الركاب فيها. ورغم تأكيد الجهات المعنية أن قطاع النقل “قيد المتابعة”، إلا أن الواقع الميداني يشير إلى استمرار الاختلالات دون حلول ملموسة.
لوحات من مختلف المحافظات
خلال جولة في شوارع دمشق الرئيسية، يمكن ملاحظة انتشار سيارات أجرة تحمل لوحات تسجيل من محافظات عدة، بينها حلب، إدلب، حمص، حماة، وغيرها، تعمل داخل العاصمة وتلتقط الركاب بشكل اعتيادي، دون وجود عوائق واضحة.
يقول فراس المتني، وهو سائق تاكسي يحمل لوحة دمشق منذ أكثر من 15 عامًا، في حديث لـ“الحل نت”، إن السائقين المحليين ملتزمون بالترخيص والرسوم والأنظمة، لكنهم فوجئوا بعمل سيارات من محافظات أخرى في الشوارع نفسها ومع الزبائن أنفسهم، دون مساءلة. ويضيف أن عدد سيارات الأجرة ازداد بشكل كبير، في وقت تراجع فيه الطلب، ما انعكس خسائر مباشرة على السائقين المرخصين في دمشق.
في المقابل، يوضح أحمد العبدالله، وهو سائق تاكسي من إدلب، أن قدومه إلى دمشق جاء بعد سقوط النظام، باعتبارها العاصمة التي تتوافر فيها فرص عمل أكبر مقارنة بالمناطق الأخرى. ويقول إن الوضع صعب على الجميع، وإن كثرة السائقين أدت إلى انخفاض الأجور وطول ساعات البحث عن الركاب، في ظل منافسة شديدة وتفاوض دائم على الأسعار.
انعكاسات مرورية وخدمية
هذا الانتشار غير المنظم لسيارات الأجرة انعكس بشكل مباشر على حركة المرور داخل العاصمة، حيث يشكو سكان وموظفون من ازدحام خانق، خاصة في ساعات الذروة. كما يلاحظ توقف سيارات الأجرة في أماكن غير مخصصة، وتحول بعض وسائل النقل الجماعي إلى العمل كسيارات أجرة بحثًا عن ركاب.
يقول سامر جقمور، موظف في القطاع الخاص، إن كثرة السيارات لم تؤدِّ إلى تحسن خدمة النقل، بل زادت من الازدحام والتوتر في الشوارع، ورفعت من حجم التفاوض بين الراكب والسائق، دون وجود معايير واضحة للأسعار أو زمن الوصول.
غياب الدور الرقابي
رغم أن تنظيم حركة النقل وضبط التزام السيارات بلوحاتها وخطوط عملها يُعد من مهام شرطة المرور ومديريات النقل، يؤكد عدد من السائقين أن الرقابة الفعلية شبه غائبة.
يقول علي شحادة، سائق تاكسي من منطقة برزة، إن عناصر المرور يركزون على تنظيم السير فقط، دون التدخل في تنظيم عمل سيارات الأجرة أو مساءلة السيارات التي تعمل داخل دمشق رغم حملها لوحات من محافظات أخرى.
وحتى الآن، لا تتوافر بيانات رسمية توضح حجم السيارات القادمة من خارج المحافظة، أو أرقام تتعلق بالمخالفات المنظمة بحقها، ما يعزز لدى السائقين شعورًا بأن سوق النقل يعمل دون ضوابط واضحة.
شكاوى بلا نتائج
سائقون محليون يؤكدون أنهم تقدموا بشكاوى فردية، سواء بشكل شفهي أو من خلال مراجعة مديريات النقل، لكنهم لم يلمسوا أي نتائج عملية.
ويقول مازن خليل، سائق تاكسي في دمشق، إن الردود التي تلقوها غالبًا ما تركز على صعوبة الأوضاع العامة، دون تقديم حلول حقيقية. ويشير إلى أن ارتفاع أسعار المحروقات وتكاليف الصيانة، إلى جانب خسارة الزبائن لصالح سيارات خاصة أو تطبيقات نقل، جعل الدخل غير مستقر مقارنة بالسنوات السابقة.
ويضيف خليل أن السائقين القادمين من خارج دمشق لا يعرفون شوارعها أو خطوطها جيدًا، ما يضطر السائقين المحليين أحيانًا إلى مساعدتهم، في مفارقة يعتبرها دليلاً على اختلال تنظيم القطاع.
الراكب بين تعدد الخيارات وغياب الضبط
من ناحية أخرى، قد يستفيد الراكب مؤقتًا من كثرة سيارات الأجرة، إلا أن ذلك لم ينعكس استقرارًا في الأسعار أو تحسنًا في جودة الخدمة، بل أدى إلى تفاوت كبير في الأجور وارتباك في التعامل.
تقول ريم سيف، وهي طالبة جامعية، إن بعض السائقين الجدد لا يعرفون الطرق داخل دمشق، ويطلبون من الركاب إرشادهم، ما يتعارض مع الهدف الأساسي من استخدام التاكسي لتوفير الوقت. وتضيف أن تعدد الأسعار وغياب العداد يزيد من شعور الركاب بعدم الوضوح، في ظل تبرير ذلك بازدحام الطرق وارتفاع أسعار الوقود.
أزمة تنظيم وعدالة مهنية
بين سيارات تعمل بلوحات من محافظات مختلفة دون تنظيم واضح، وغياب رقابة فعلية من الجهات المختصة، وسائقين محليين تتراجع فرصهم في تأمين دخل مستقر، تتحول أزمة النقل في دمشق من مشكلة خدمية إلى قضية تنظيم وعدالة في سوق العمل.
وحتى تصدر الجهات المعنية توضيحات رسمية تحدد آلية العمل داخل العاصمة، ومن يحق له ممارسة مهنة نقل الركاب فيها، ستبقى شوارع دمشق تعاني من ازدحام متزايد، فيما يواصل السائق المحلي دفع كلفة هذا الخلل التنظيمي.
اقرأ أيضاً:قطع الغيار المقلدة في سوريا: سوق مفتوحة ومخاطر متعددة