سعر صرف الليرة السورية أمام الدولار: العجز المالي وارتفاع المحروقات يفاقمان الضغوط الاقتصادية

تواجه الليرة السورية ضغوطًا متزايدة أمام الدولار الأمريكي، في ظل ارتفاع أسعار المحروقات واتساع الفجوة بين سعر الصرف الرسمي وسعر السوق الموازية، بالتزامن مع إعلان وزارة المالية السورية تسجيل عجز في الموازنة العامة خلال النصف الأول من عام 2026 بلغ نحو مليار دولار.

وبحسب بيانات سعر الصرف الواردة، ارتفع سعر الدولار في السوق الموازية من نحو 132 ليرة سورية خلال أيلول الماضي إلى قرابة 140 ليرة في تشرين الأول الحالي، قبل أن تسجل الليرة تحسنًا طفيفًا يوم الأربعاء 14 تشرين الأول، بواقع ليرة واحدة تقريبًا مقارنة باليوم السابق.

في المقابل، حافظ مصرف سوريا المركزي على سعر الصرف الرسمي عند 121.50 ليرة للشراء و122.50 ليرة للمبيع، ما أبقى الفجوة بين السعرين قائمة، وسط تساؤلات بشأن قدرة السياسات المالية والنقدية على الحد من تراجع الليرة وتعزيز الثقة بالعملة المحلية.

ويربط خبراء اقتصاديون هذه التطورات بمجموعة من العوامل، أبرزها ارتفاع تكاليف الطاقة، والمخاوف المرتبطة بالعجز المالي، وضعف تدفق العملات الأجنبية، إلى جانب القيود المفروضة على السحوبات المصرفية وصعوبة الوصول إلى المدخرات.

ارتفاع أسعار المحروقات يزيد الضغط على سعر الدولار في سوريا

يرى الأكاديمي والخبير الاقتصادي المصرفي محمود عبد الكريم أن ارتفاع أسعار المحروقات أسهم في زيادة الضغوط على الليرة السورية، من خلال تأثيره في تكاليف الإنتاج والنقل والزراعة وتشغيل المنشآت الصناعية والخدمية.

وأوضح عبد الكريم، في حديثه إلى “عنب بلدي”، أن قرارات رفع أسعار المحروقات، ولا سيما النشرة الصادرة في 13 أيلول الماضي، شكلت أحد العوامل المرتبطة بموجة ارتفاع الدولار، بعدما زاد سعر المازوت بنحو 40%، والبنزين بنسب تراوحت بين 26 و28%.

وبحسب قراءته، لا يقتصر تأثير ارتفاع أسعار الوقود على تكاليف الاستيراد، بل يمتد إلى أسعار السلع والخدمات، نتيجة زيادة نفقات نقل البضائع وتشغيل المعدات الزراعية والمصانع والمولدات والأفران.

وتتمثل أبرز قنوات تأثير ارتفاع أسعار المحروقات على سعر الصرف في ثلاثة عوامل رئيسية:

  • ارتفاع تكاليف الإنتاج والنقل: يؤدي ارتفاع أسعار المازوت والبنزين إلى زيادة تكاليف نقل السلع وتشغيل المنشآت، ما ينعكس على الأسعار النهائية للمستهلكين.
  • زيادة توقعات التضخم: قد تدفع المخاوف من ارتفاع الأسعار المواطنين والتجار إلى شراء الدولار أو الذهب للحفاظ على قيمة مدخراتهم.
  • تنشيط المضاربة بالعملات: يمكن أن يستغل بعض المتعاملين توقعات ارتفاع الدولار لتحقيق مكاسب، خصوصًا خلال فترات التقلبات الحادة.

وتزداد حساسية الاقتصاد السوري لتغيرات أسعار النفط العالمية في ظل الاعتماد على استيراد جزء من الاحتياجات النفطية، إذ تؤدي زيادة تكاليف الطاقة إلى ضغوط إضافية على المالية العامة والمستهلكين.

اتساع الفجوة بين سعر الصرف الرسمي والموازي

تشكل الفجوة بين سعر الدولار لدى مصرف سوريا المركزي وسعره في السوق الموازية أحد أبرز التحديات أمام السياسة النقدية في سوريا.

فبحسب الأرقام الواردة، بلغ سعر الدولار في السوق الموازية نحو 140 ليرة سورية، مقابل 122.50 ليرة للمبيع وفق السعر الرسمي، ما يجعل الفارق قريبًا من 15%.

ويرى عبد الكريم أن هذا التباعد قد يدفع بعض المتعاملين إلى تجنب بيع الدولار عبر القنوات المصرفية الرسمية، بسبب حصولهم على مقابل أقل مقارنة بالسوق الموازية، وهو ما قد يحد من تدفق العملات الأجنبية إلى القطاع المصرفي.

وتتجاوز آثار هذه الفجوة مسألة اختلاف الأسعار، إذ ترتبط بقدرة المصارف على جذب العملات الأجنبية، وتشجيع التجار على إجراء معاملاتهم عبر القنوات الرسمية، وتقليل الاعتماد على السوق غير النظامية.

عجز الموازنة السورية يثير مخاوف بشأن استقرار الليرة

أظهرت بيانات وزارة المالية السورية أن الإيرادات العامة خلال النصف الأول من عام 2026 بلغت نحو 2.7 مليار دولار، مقابل إنفاق حكومي وصل إلى 3.7 مليارات دولار، ما أدى إلى تسجيل عجز يقارب مليار دولار.

ويرى عبد الكريم أن العجز المالي يشكل عامل ضغط على الثقة بالليرة السورية، لكنه لا يعني بالضرورة زيادة المعروض النقدي بصورة مباشرة، إذ يعتمد الأثر النقدي للعجز على طريقة تمويل الإنفاق الحكومي.

وكان وزير المالية السوري، محمد يسر برنية، قد صرح في نهاية آب الماضي بأن الوزارة تعتمد على التمويل قصير الأجل، دون الاستدانة من مصرف سوريا المركزي أو ضخ سيولة نقدية إضافية في السوق.

وبناءً على ذلك، يشير عبد الكريم إلى عدم توافر أدلة كافية، وفق المعطيات التي يستند إليها، على أن العجز أدى حتى الآن إلى زيادة كبيرة في المعروض النقدي، محذرًا في الوقت نفسه من أهمية آليات التمويل في تحديد اتجاهات سعر الصرف خلال الفترة المقبلة.

وتتوقف تداعيات العجز المالي على ثلاثة عوامل أساسية:

  • طريقة تمويل الإنفاق الحكومي: يختلف أثر التمويل قصير الأجل عن التمويل الذي يؤدي إلى ضخ نقدي مباشر في السوق.
  • ثقة الأسواق بالسياسات المالية: قد تدفع المخاوف من استمرار العجز إلى زيادة الطلب على الدولار حتى قبل ظهور تأثير نقدي مباشر.
  • الإيرادات العامة وتكاليف الطاقة: يزيد الاعتماد على الإيرادات المرتبطة بقطاع الطاقة من تأثر المالية العامة بالتقلبات النفطية وتكاليف المحروقات.

ويقدّر عبد الكريم أن مستوى الدولار الحالي يمكن تفسيره بالضغوط الاقتصادية القائمة، ولا سيما ارتفاع تكاليف الوقود والتوقعات التضخمية، بدل اعتباره ارتفاعًا منفصلًا عن الظروف الاقتصادية.

ما توقعات سعر صرف الليرة السورية خلال الفترة المقبلة؟

يضع عبد الكريم ثلاثة سيناريوهات محتملة لحركة سعر الدولار في السوق السورية، تبعًا لتطورات أسعار الطاقة والسياسات الاقتصادية وتدفقات العملات الأجنبية.

  • السيناريو الأول: استمرار ارتفاع الدولار تدريجيًا. قد يحدث ذلك إذا بقيت أسعار الوقود مرتفعة واستمرت الضغوط المرتبطة بتكاليف الطاقة والتضخم.
  • السيناريو الثاني: تحسن الليرة السورية. يمكن أن يتراجع الدولار تدريجيًا إذا انخفضت أسعار النفط والمحروقات، وتدفقت استثمارات فعلية توفر العملات الأجنبية.
  • السيناريو الثالث: ارتفاع أكبر للدولار. قد يتحقق إذا ارتفعت أسعار النفط مجددًا، وصدرت قرارات إضافية لرفع أسعار الوقود، واضطرت الحكومة إلى تمويل إنفاقها مباشرة من مصرف سوريا المركزي.

ويشير عبد الكريم إلى أن تدخل المصرف المركزي عبر بيع الدولار قد يؤدي إلى انخفاض مؤقت في سعره، لكنه يرى أن استقرار الليرة على المدى الطويل يتطلب تدفقات مستدامة من العملات الأجنبية، وزيادة الإنتاج النفطي، أو تخفيف تكاليف المحروقات.

لماذا لا تؤدي قيود السحب المصرفي بالضرورة إلى انخفاض الدولار؟

يرى مخلص الناظر، الخبير في السياسات المصرفية والنقدية والنائب الأول السابق لحاكم مصرف سوريا المركزي، أن تقييد السحوبات المصرفية لا يؤدي بالضرورة إلى خفض الطلب على الدولار، بل قد يساهم في زيادته عندما تتراجع ثقة المواطنين والتجار بالعملة المحلية والمصارف.

وفي منشور عبر منصة “لينكد إن” بتاريخ 12 تشرين الأول، أوضح الناظر أن العامل الحاسم لا يقتصر على كمية الليرات المتداولة، بل يشمل أيضًا قدرة الأفراد على الوصول إلى أموالهم ومدى ثقتهم بالنظام المصرفي.

وبحسب الناظر، قد يؤدي تقييد السحوبات إلى دفع المواطنين والتجار إلى تحويل الأموال المتاحة لهم إلى الدولار أو الذهب، بدل الاحتفاظ بها بالليرة أو إيداعها في المصارف، خصوصًا في ظل المخاوف المتعلقة بقيمة المدخرات.

كما أشار إلى أن محدودية تدفق العملات الأجنبية تمثل عاملًا أساسيًا في ارتفاع سعر الدولار، إذ يمكن لزيادة محدودة في الطلب أن تؤثر في سعر الصرف عندما يكون المعروض من الدولار شحيحًا.

وحدد الناظر أربعة عوامل رئيسية تسهم في زيادة الطلب على العملات الأجنبية:

  • تراجع الثقة بالليرة والمصارف: تدفع المخاوف بشأن قيمة المدخرات وصعوبة الوصول إليها بعض الأفراد إلى شراء الدولار أو الذهب.
  • تأمين الدولار للاستيراد: قد يلجأ التجار إلى شراء الدولار نقدًا لتغطية احتياجاتهم من السلع والمواد الأساسية عندما تواجه التحويلات المصرفية صعوبات.
  • ضعف تدفق العملات الأجنبية: يؤدي محدودية الصادرات وضعف الإيرادات السياحية وتردد المستثمرين الأجانب إلى تقليص المعروض من الدولار.
  • تراجع النشاط الاقتصادي النظامي: قد تؤدي الأعباء المفروضة على الأعمال إلى إضعاف الإنتاج والاستثمار، ما يحد من قدرة الاقتصاد على توليد العملات الأجنبية.

ويحذر الناظر من أن تشديد القيود على الأنشطة الاقتصادية قد يؤدي إلى إضعاف الإنتاج والاستثمار، بدلًا من تنشيط حركة رأس المال وتوسيع فرص العمل.

كيف يمكن دعم الليرة السورية واستعادة الثقة بالقطاع المصرفي؟

يرى الناظر أن معالجة الضغوط على الليرة السورية تتطلب خطوات تتجاوز تقليص السيولة المتاحة في السوق، وتركز على استعادة الثقة بالمصارف وزيادة قدرة الاقتصاد على توفير العملات الأجنبية.

ويقترح أربعة مسارات رئيسية لدعم الاستقرار النقدي:

  1. تخفيف قيود السحب والتحويلات تدريجيًا: بما يسمح للمواطنين بالوصول إلى مدخراتهم ويعزز الثقة بالنظام المصرفي.
  2. دعم الإنتاج والصادرات: من خلال تخفيف الأعباء عن القطاعات الصناعية والزراعية وتحفيز الأنشطة التي توفر إيرادات بالعملات الأجنبية.
  3. تعزيز الشفافية في السياسة النقدية: عبر توضيح السياسات المالية والنقدية وتقليص الفجوة بين أسعار الصرف وتسهيل المعاملات المصرفية.
  4. تحسين بيئة الأعمال والاستثمار: بهدف جذب استثمارات فعلية توفر الدولار وتخلق فرص عمل وتدعم الإنتاج المحلي.

وتتقاطع هذه المقترحات مع تقييم عبد الكريم بشأن أهمية توفير تدفقات مستدامة من العملات الأجنبية، والحد من الضغوط الناتجة عن ارتفاع أسعار الطاقة والتوقعات التضخمية.

استقرار الليرة السورية مرتبط بالثقة وتوفير الدولار

تعكس التطورات الأخيرة في سعر صرف الليرة السورية أمام الدولار تداخل مجموعة من العوامل المالية والنقدية والاقتصادية، تشمل عجز الموازنة وارتفاع أسعار المحروقات واتساع الفجوة بين السعرين الرسمي والموازي، إلى جانب ضعف تدفق العملات الأجنبية والقيود المصرفية.

وبينما يرى عبد الكريم أن تكاليف الطاقة والتوقعات التضخمية تمثل عوامل مهمة في تفسير حركة الدولار، يؤكد الناظر أن الثقة بالعملة المحلية والقدرة على الوصول إلى المدخرات لا تقلان أهمية عن حجم السيولة المتداولة.

وبناءً على هذين التقييمين، فإن استقرار الليرة على المدى الطويل يرتبط بقدرة السياسات المالية والنقدية على تعزيز الثقة، وتوفير الدولار عبر قنوات اقتصادية مستدامة، ودعم الإنتاج والصادرات، وتحسين أداء القطاع المصرفي، بدلًا من الاعتماد على إجراءات مؤقتة للحد من حركة سعر الصرف.

إقرأ أيضاً: الأزمة المعيشية تهدّد «المونة» وطقوس إعدادها في سوريا

إقرأ أيضاً: تقلبات سعر صرف الدولار في سوريا ترفع أسعار السلع وتزيد الأعباء المعيشية

المزيد ايضا..
اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.