هل تواجه صناعة النسيج في حلب تهديداً وجودياً؟
لم تكن حلب يوماً مجرد مدينة صناعية، بل شكّلت لعقود مركز الثقل الإنتاجي في سوريا، وكان قطاع النسيج أحد أبرز أعمدتها الاقتصادية. هذا القطاع الذي شغّل عشرات آلاف العمال بشكل مباشر، ووفّر مئات آلاف فرص العمل غير المباشرة، وأسهم في تحريك الزراعة والنقل والتمويل والتصدير، يمرّ اليوم بمرحلة توصف بأنها الأكثر صعوبة في تاريخه الحديث.
بين عامي 2010 و2025، تراجع قطاع النسيج من موقعه كأحد أعمدة الاقتصاد الوطني إلى قطاع يعمل بأقل من نصف طاقته الإنتاجية، وفق تقديرات رسمية وغير رسمية. وقبل عام 2011، كانت الصناعة النسيجية تمثّل نحو 30% من المنشآت الصناعية، وتؤمّن قرابة ثلث فرص العمل الصناعية، وتسهم بما يصل إلى 45% من الصادرات غير النفطية. كما انخفض إنتاج القطن، المادة الخام الأساسية للصناعة، من أكثر من مليون طن سنوياً قبل 2011 إلى أقل من 100 ألف طن في بعض المواسم، أي بتراجع يتجاوز 80%.
هذه المؤشرات لا تعكس تراجعاً رقمياً فحسب، بل تكشف أزمة بنيوية تمسّ حلقات الإنتاج والتشغيل والتصدير والسياسات الاقتصادية المرتبطة بها، وتثير تساؤلات حول مستقبل القطاع في المدينة التي عُرفت تاريخياً بأنها “عاصمة النسيج” في المنطقة.
ورشات تعمل بنصف طاقة… وأخرى أغلقت
في المناطق الصناعية بحلب، تبدو آثار التراجع واضحة. عبد الله البكري، صاحب ورشة نسيج عائلية، يقول إن منشأته تعمل اليوم بجزء محدود من طاقتها الإنتاجية، بعدما كانت تصدّر منتجاتها إلى أسواق عربية وأوروبية. ويشير إلى أن ارتفاع تكاليف الكهرباء والمواد الأولية وصعوبات التمويل، بالتوازي مع توسّع استيراد الألبسة الجاهزة، جعل المنافسة أكثر تعقيداً.
ويضيف أن بعض الورشات حاولت التكيّف عبر التركيز على منتجات ذات جودة أعلى أو التخصص في أنواع معينة من الأقمشة، إلا أن غياب سياسات حمائية واضحة، بحسب تعبيره، يضعف قدرتها على الاستمرار.
عضو في غرفة صناعة حلب، فضّل عدم ذكر اسمه، يرى أن الأزمة لا ترتبط فقط بآثار الحرب، بل أيضاً بطبيعة السياسات الاقتصادية المتبعة خلال السنوات الأخيرة. ويقول إن فتح السوق أمام الاستيراد في ظل ارتفاع تكاليف الإنتاج المحلي وغياب استقرار الطاقة “يضع الصناعة المحلية في منافسة غير متكافئة”.
ويحذر من أن تراجع قطاع النسيج لا ينعكس على الصناعيين وحدهم، بل يمتد إلى العمال وسلاسل التوريد والقطاعات المرتبطة به، ما يخلق آثاراً متسلسلة على مجمل النشاط الاقتصادي في المدينة.
الحكومة: أولوية لضبط الأسعار وحماية المستهلك
في المقابل، تبرر مصادر رسمية في وزارة الاقتصاد سياسات الاستيراد الحالية بالحاجة إلى تأمين ألبسة بأسعار تتناسب مع القدرة الشرائية للمواطنين، في ظل تراجع الدخل وارتفاع تكاليف المعيشة. وتؤكد هذه المصادر أن الإنتاج المحلي لا يغطي كامل الطلب، وأن الاستيراد يسهم في الحد من التضخم ومنع الاحتكار.
وتشير الجهات الرسمية إلى أن الهدف هو تحقيق توازن بين دعم الصناعة الوطنية وحماية المستهلك، من خلال إبقاء السوق مفتوحة ضمن ضوابط معينة.
غير أن صناعيين يرون أن انخفاض الأسعار على المدى القصير قد يفاقم المشكلات على المدى البعيد، إذا أدى إلى إغلاق المزيد من المنشآت وتسريح العمال، ما ينعكس سلباً على القدرة الشرائية نفسها.
أثر يتجاوز القطاع
الدكتور حسان مراد، خبير اقتصادي، يوضح أن قطاع النسيج تاريخياً كان من أكثر القطاعات تشابكاً مع غيره من الأنشطة الاقتصادية، من الزراعة إلى الخدمات. ويقول إن فقدان آلاف الوظائف في هذا القطاع يؤدي إلى تراجع الطلب الاستهلاكي، ما ينعكس بدوره على قطاعات أخرى مثل الغذاء والنقل والعقارات.
ويضيف أن الخلاف القائم لا يقتصر على أدوات السياسة الاقتصادية، بل يمتد إلى طبيعة النموذج الاقتصادي المطلوب: هل تكون الأولوية لتعزيز الإنتاج المحلي طويل الأمد، أم لتأمين السلع المستوردة بأسعار أقل في المدى القصير؟
مقترحات للإنقاذ
يقدّم خبراء اقتصاديون مجموعة من المقترحات لإعادة تنشيط القطاع، من بينها:
-
تفعيل قوانين حماية الإنتاج الوطني وفرض رسوم جمركية على الألبسة الجاهزة بما يضمن منافسة عادلة.
-
تشديد الرقابة على التهريب وتنظيم دخول البضائع إلى السوق.
-
تخفيض الرسوم على مستلزمات الإنتاج غير المتوفرة محلياً.
-
اعتماد أسعار طاقة تفضيلية للصناعات الإنتاجية.
-
توفير قروض طويلة الأجل مخصصة لإعادة تأهيل خطوط الإنتاج.
-
دعم زراعة القطن عبر حوافز للمزارعين وضمان شراء المحصول.
-
تحفيز التصدير عبر تسهيلات ضريبية وإجرائية.
ويرى أصحاب هذه الطروحات أن الهدف ليس إغلاق السوق، بل تنظيمها بما يحقق توازناً بين حماية الصناعة وضمان توفر السلع للمستهلكين.
بين التعافي والانكماش
تبقى صناعة النسيج في حلب عند مفترق طرق. فإما أن تنجح السياسات الاقتصادية في إعادة تفعيل سلاسل الإنتاج من الحقل إلى المصنع والسوق، أو يستمر الاتجاه نحو اقتصاد أكثر اعتماداً على الاستيراد.
وفي ظل استمرار التحديات المرتبطة بالطاقة والتمويل والبنية التحتية، يظل السؤال مطروحاً: هل تستطيع حلب استعادة موقعها الصناعي التاريخي، أم أن التحولات التي شهدها القطاع خلال السنوات الماضية ستفرض واقعاً اقتصادياً مختلفاً على المدينة؟