تحذيرات من بلوغ معدلات الفقر في سوريا مستويات غير مسبوقة
حذّر الباحث الاقتصادي عامر خربوطلي من أن سوريا تسجّل أعلى معدلات فقر في تاريخها الحديث، مشيراً إلى تقديرات بحثية تفيد بأن نسبة الفقر تتجاوز 80 في المئة من السكان، في ظل تدهور مستمر في المؤشرات المعيشية والاقتصادية.
وأوضح خربوطلي في تصريحات صحفية أن توصيف الواقع الاقتصادي يتطلب التمييز بين الأزمات الطارئة والاختلالات البنيوية المتراكمة، المرتبطة بضعف بنية الاقتصاد، وتراجع مستويات الدخل، وانخفاض القوة الشرائية للعملة المحلية. واعتبر أن معالجة ما وصفه بـ”فخ الفقر” تحتاج إلى مقاربة شاملة تجمع بين تدخلات عاجلة لدعم الفئات الأكثر هشاشة، واستراتيجيات بعيدة المدى لتعزيز النمو الشامل والمستدام.
مؤشرات دولية مقلقة
تتزامن هذه التحذيرات مع تقارير دولية ترصد اتساع رقعة الفقر في البلاد. فقد ذكر البنك الدولي في تقرير صدر في حزيران/يونيو 2025 أن نحو ربع السوريين يعيشون في فقر مدقع بأقل من 2.15 دولار يومياً، فيما يقيم نحو 67 في المئة تحت خط الفقر الأدنى للبلدان متوسطة الدخل (3.65 دولارات يومياً).
كما أشار تقرير صادر عن برنامج الأمم المتحدة الإنمائي إلى أن تسعة من كل عشرة سوريين يعيشون في الفقر، وأن واحداً من كل أربعة أشخاص عاطل عن العمل، محذراً من أن الاقتصاد السوري، وفق معدلات النمو الحالية، قد لا يستعيد مستوى الناتج المحلي الإجمالي لما قبل عام 2011 قبل عام 2080.
وتفيد بيانات أممية بأن الناتج المحلي الإجمالي انخفض إلى أقل من نصف مستواه منذ بداية الصراع، فيما تضاعفت معدلات البطالة ثلاث مرات تقريباً، وارتفع الفقر من نحو 33 في المئة قبل عام 2011 إلى قرابة 90 في المئة حالياً، في حين ازداد الفقر المدقع ستة أضعاف وفق تقديرات دولية.
تآكل الأجور وارتفاع خط الفقر
بدوره، أشار الخبير الاقتصادي شادي أحمد إلى التراجع الحاد في القدرة الشرائية للأجور في القطاعين العام والخاص، موضحاً أن متوسط الدخل لم يعد يغطي الاحتياجات الأساسية للأسر. ولفت إلى أن خط الفقر للأسرة السورية ارتفع من نحو 870 ألف ليرة سورية عام 2021، إلى 1.6 مليون ليرة في 2022، ثم 3.5 ملايين ليرة في 2023، مع تقديرات أولية تشير إلى تجاوزه خمسة ملايين ليرة حالياً.
ودعا أحمد إلى إعادة هيكلة منظومة الدعم الاجتماعي عبر استهداف أكثر دقة يستند إلى قواعد بيانات وطنية، بما يضمن توجيه الموارد إلى الأسر الأشد هشاشة، بما في ذلك الأسر التي تعيلها نساء، وكبار السن، وذوو الإعاقة.
واقترح توجيه جزء من الدعم نحو أدوات إنتاج صغيرة في المناطق الريفية، مثل وحدات التصنيع الغذائي أو المعدات الزراعية، وربط برامج المساعدات بشروط تتعلق بالتعليم والرعاية الصحية، بهدف تحويل الدعم من طابع إغاثي مؤقت إلى آلية تمكينية مستدامة.
تفاوت جغرافي وأزمة أمن غذائي
وتشير تقارير ميدانية إلى تفاوت معدلات الفقر بين المحافظات، مع تسجيل نسب مرتفعة من الفقر المدقع في محافظات مثل حلب وحماة ودير الزور، إضافة إلى انتشار واسع للفقر بين النازحين داخلياً والأسر التي تعيلها نساء.
كما يعاني نحو 89 في المئة من السكان من أشكال مختلفة من انعدام الأمن الغذائي، بينهم 60 في المئة في مستويات شديدة، فيما يعتمد ما لا يقل عن 70 في المئة من السوريين على المساعدات الإنسانية لتلبية احتياجاتهم الأساسية.
جهود رسمية وتحديات مستمرة
وكانت وزارة الشؤون الاجتماعية والعمل قد أطلقت في تشرين الثاني/نوفمبر 2025، بالتعاون مع منظمات دولية، “الاستراتيجية الوطنية للحد من الفقر متعدد الأبعاد”، التي تهدف إلى تطوير أدوات قياس أكثر دقة للفقر، وتعزيز برامج الحماية الاجتماعية وربطها بخدمات الصحة والتوظيف.
ويرى خبراء أن الخروج من دائرة الفقر يتطلب استثمارات طويلة الأجل في التنمية وإعادة بناء القطاعات الإنتاجية، وتنشيط الزراعة لتحقيق قدر أكبر من الأمن الغذائي، إلى جانب إعادة تأهيل البنية التحتية في مجالات التعليم والصحة والطاقة، بما يسهم في استعادة الاستقرار الاقتصادي والاجتماعي على المدى البعيد.
اقرأ أيضاً:فوضى الإيجارات في حي الحجر الأسود بريف دمشق: سكن مدمّر بأسعار تفوق القدرة المعيشية