سوريا بين الجفاف والسيول: طقس متقلب يكشف هشاشة البنية التحتية

تعيش سوريا مفارقة مناخية لافتة، فبينما تعاني منذ سنوات من موجات جفاف قاسية تُعد من الأشد في تاريخها الحديث، تحولت الهطولات المطرية الأخيرة إلى عامل ضغط إضافي، بعد أن تسببت بأضرار واسعة وسيول غمرت طرقًا ومناطق سكنية، لتجد البلاد نفسها أمام أزمتين متناقضتين تقودان إلى النتيجة ذاتها: تفاقم الأوضاع الإنسانية والمعيشية.

وخلال الأيام الماضية، أعلنت محافظة القنيطرة استنفار فرق الدفاع المدني وآليات الطوارئ للتعامل مع تجمعات المياه وإغلاق عدد من الطرق نتيجة الأمطار الغزيرة. وذكرت الصفحة الرسمية للمحافظة أن الهطولات أدت إلى أضرار في مناطق واسعة، ما استدعى تدخلًا عاجلًا لفرق الطوارئ، بالتوازي مع استجابات مشابهة في محافظتي إدلب وحماة.

تدخلات إسعافية وإنقاذ عائلات

وفي ريف إدلب، شهدت مدينة حارم عمليات سحب لسيارات علقت في الطرقات بسبب تجمع المياه، فيما جرى فتح ممرات مائية في بلدة الحويجة بمحافظة حماة لتخفيف منسوب السيول. كما نفذت فرق الدفاع المدني تدخلات عاجلة في مخيمي التوحيد والخنساء، بهدف منع تسرب المياه إلى داخل الخيام وحماية النازحين من تفاقم الأضرار.

وفي حادثة أخرى غرب محافظة حمص، تمكنت فرق الدفاع المدني من إنقاذ 13 شخصًا من عائلة واحدة كانوا محاصرين على سطح منزلهم في قرية أم جامع بمنطقة تلكلخ، إثر فيضان نهر نتيجة الأمطار الغزيرة وانهيار جسر أعاق تدفق المياه. كما جرى إنقاذ عائلة ثانية في الليلة نفسها، ما رفع عدد الأشخاص الذين تم إنقاذهم إلى 25 شخصًا، معظمهم من النساء والأطفال.

الجفاف يهدد الأمن الغذائي

وفي المقابل، لا يقل الجفاف المستمر خطرًا عن الفيضانات المفاجئة. فقد حذرت منظمة الأغذية والزراعة التابعة للأمم المتحدة (الفاو) في وقت سابق من أن نحو 75% من محاصيل القمح في سوريا مهددة بالفشل نتيجة شح الأمطار، ما قد يؤدي إلى نقص غذائي يُقدّر بنحو 2.7 مليون طن، وهي كمية تكفي لإطعام نحو 16.3 مليون شخص لمدة عام كامل.

وأعلنت وزارة الزراعة السورية عن اتخاذ تدابير طارئة لمواجهة تداعيات الجفاف، شملت الحد من زراعة المحاصيل الشرهة لاستهلاك المياه. واعتبرت الوزارة أن رفع العقوبات قد يسهم في تسهيل استيراد الأسمدة وتحديث تقنيات الري، رغم أن هذه الإجراءات لا تعالج مشكلة الجفاف من جذورها.

مصادر المياه تحت الضغط

وفي العاصمة دمشق، تراجع منسوب نبع الفيجة، المصدر الرئيسي لمياه الشرب، إلى نحو 3 أمتار مكعبة في الثانية، وهي كمية لا تغطي سوى 50% من حاجة المدينة، بحسب ما أكده مدير مؤسسة المياه خلال الصيف الماضي، مشيرًا إلى تنفيذ خطة طوارئ لتعويض النقص الحاصل في الإمدادات.

مفارقة المناخ والبنية التحتية

وتكشف هذه التطورات حجم التحدي الذي تواجهه سوريا في التعامل مع التغيرات المناخية، في ظل بنية تحتية متهالكة وقدرات محدودة على الاستجابة. فحين يغيب المطر، تتراجع الزراعة ويتأثر الأمن الغذائي، وحين يهطل بغزارة، تتحول الأمطار إلى سيول تُغرق الطرق وتلحق أضرارًا بالمنازل والمزروعات.

وتسهم التربة المتصلبة بفعل سنوات الجفاف، إلى جانب ضعف شبكات الصرف وقنوات التصريف، في تضخيم آثار الهطولات المطرية، بحيث تتحول المياه التي يُفترض أن تخفف من حدة الجفاف إلى عامل أزمة إضافي.

ويشير مراقبون إلى أن التحدي لا يقتصر على التغير المناخي بحد ذاته، بل يمتد إلى غياب التخطيط طويل الأمد وقدرة المؤسسات على إدارة الموارد المائية والاستجابة للكوارث. وفي بلد أنهكته الأزمات المتلاحقة، باتت المفارقة المناخية واقعًا دائمًا، حيث تقود قسوة الجفاف وغزارة الأمطار، على حد سواء، إلى أزمة واحدة تنتظر حلولًا شاملة ومستدامة.

اقرأ أيضاً:مزارعو الفستق السوري يواجهون تحديات الجفاف والحشرات

حساباتنا: فيسبوك  تلغرام يوتيوب تويتر انستغرام

المزيد ايضا..
اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.