فخ الثلاثين حلقة: هل تقتل “لوجستيات العرض” جماليات الدراما السورية؟

تُعد الدراما السورية ركيزة أساسية في المائدة الرمضانية العربية، وهكذا جرت العادة، إلا أنها باتت تواجه في المواسم الأخيرة تحدياً بنيوياً يتمثل في “إكراهات الكم على حساب الكيف”. فبينما تبدأ الحلقات الأولى بإيقاع متسارع وجاذبية بصرية وفكرية عالية، وحبكة درامية وإخراجية احترافية، يجد المشاهد نفسه مع انتصاف الشهر، أو قبل ذلك حتى أمام حالة من “الترهل السردي” الذي يفرضه شرط الثلاثين حلقة التي جرت عليها عادة صناع الدراما أيضاً.
الاستهلال القوي والانهيار التدريجي: أزمة البنية الحكائية
تعاني معظم النصوص الدرامية من مشكلة “تمطيط” الصراع الدرامي. فالحكاية التي يمكن تكثيفها في عشر حلقات مركزة، يتم تشتيتها عبر مسارات ثانوية لا تخدم الثيمة الأساسية، بل تعمل كـ “حشوات” زمنية. هذا الانحدار في المنحنى الدرامي يفسر عزوف الجمهور عن المتابعة في الثلث الثاني من رمضان، حيث تصبح المشاهد طويلة، وتتكرر الحوارات الدائرية التي لا تدفع بالحدث إلى الأمام.
مسلسل “مولانا” و”بخمس أرواح”: نماذج من صراع الإيقاع
إذا ما نظرنا إلى إنتاجات هذا الموسم، نجد أن بعض الأعمال وقعت في فخ “الإطالة المشهدية”. على سبيل المثال، في أعمال مثل “مولانا” أو حتى التروي في بناء الشاعرية في “بخمس أرواح”، نلحظ أحياناً مبالغة في الصمت الدرامي أو الزوايا الجمالية التي، وإن كانت ممتعة بصرياً، إلا أنها قد تسبب فجوات في التوتر الدرامي المطلوب لمواكبة شغف المشاهد اليومي. وربما تقصد بـ “مولانا” الإشارة إلى الأجواء الصوفية أو الشخصيات الدينية في بعض الأعمال، فإن المبالغة في تصعيد العنف أو “الفانتازيا الواقعية” تُستخدم أحياناً كأداة تعويضية لملء الفراغ السردي، مما يخرج العمل عن سياقه المنطقي ليصبح مجرد سلسلة من الصدمات البصرية لجذب الانتباه المتعثر.
المعالجة النقدية: الهروب من “ديكتاتورية الثلاثين”
إن الحل الدرامي يكمن في التحرر من الرقم “30” والتوجه نحو “العشاريات” أو “السباعيات” التي أثبتت نجاحاً باهراً على المنصات الرقمية. التكثيف الدرامي يضمن:
  1. وحدة الموضوع: عدم تشتت المشاهد في خطوط لا جدوى منها.
  2. إحكام الشخصيات: حماية الشخصية من التناقض أو السلوك غير المبرر لمجرد إطالة أمد الصراع.
  3. توفير الجهد الإنتاجي: تركيز الميزانية على جودة التنفيذ بدلاً من توزيعها على ساعات بث فارغة.
الخلاصة: المشاهد يبحث عن “المعنى” لا “التوقيت”
الجمهور المعاصر، المحاط بخيارات لا نهائية، لم يعد يملك رفاهية الصبر على “المشاهد الضائعة”. الدراما السورية، بعبقها وتاريخها، مطالبة اليوم بإعادة النظر في “هيكلية الحكاية”. إن استعادة المشاهد في الثلث الأوسط من رمضان لا تتطلب مبالغات أدائية، بل تتطلب “اقتصاداً درامياً” ذكياً يعرف متى يبدأ، وكيف ينتهي قبل أن يدرك المشاهد أن القصة قد انتهت فعلياً في الحلقة العاشرة.
المزيد ايضا..
اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.