جدل العدادات المفقودة: فاتورة الكهرباء الثابتة في سوريا بين “الرمزية” و”الظلم الاجتماعي”
أثار القرار الأخير الصادر عن المؤسسة العامة للكهرباء والمتضمن تحديد فاتورة ثابتة بقيمة 320 ألف ليرة سورية (حوالي 28 دولاراً) كل شهرين للمشتركين الذين يفتقرون للعدادات موجة عارمة من النقاشات المتباينة في الشارع السوري إذ يأتي هذا الإجراء ليعالج وضع نحو مليون و200 ألف مشترك في ريف دمشق وحده يستهلكون الطاقة خارج منظومة القياس التقليدية بنسبة تقارب 22% من إجمالي المشتركين في البلاد
حسابات المؤسسة ومنطق العينة العشوائية
تستند المؤسسة العامة للكهرباء في تسعيرتها الجديدة إلى دراسة عينة عشوائية خلصت إلى أن الحد الأدنى للاستهلاك المنزلي يقارب 400 كيلو واط ساعي في الدورة الواحد، وبناءً عليه تم اعتماد هذا المبلغ ليعكس القيمة المالية لهذا الاستهلاك، وهو ما تعتبره الجهات الرسمية حلاً وسطاً لضبط الاستجرار غير المقنن وضمان حقوق الخزينة العامة
انقسام الشارع: هل هي 5 آلاف ليرة “مقدور عليها”؟
يرى قسم من المواطنين أن الرقم منطقي عند تفكيكه إلى مصاريف يومية، حيث يوضح أحمد سميرة وهو موظف من مدينة حرستا أن تكلفة 5 آلاف ليرة يومياً (نحو 0.44 دولار) تعد مبلغاً رمزياً إذا ما قورنت بمصاريف المولدات الخاصة أو “الأمبيرات” التي تستنزف ميزانيات ضخمة، خاصة في ظل تحسن نسبي في ساعات وصل التيار الكهربائي يجعلها شبه دائمة في بعض المناطق
مخاوف العدالة الاستهلاكية وعبء الدخل المحدود
في المقابل تبرز أصوات معارضة ترى في القرار قفزة هائلة لا تراعي التفاوت الطبقي أو حجم الاستهلاك الفعلي، وتشير ربة المنزل روان الزعبي من مدينة دوما إلى أن مساواة عائلة تقتصد في تشغيل الأدوات الأساسية ببيت يستهلك طاقة مكثفة للتكييف والتسخين يفتقر للعدالة، مؤكدة أن دفع 28 دولاراً من دخل شهري لا يتجاوز 90 دولاراً يعد استنزافاً قاسياً للقمة عيش السوريين
الهروب من العداد: تشجيع غير مباشر على الفوضى
حذر فني الكهرباء عبد الهادي خلف في تصريح لـ “الحل نت” من أن غياب القياس الفعلي سيظلم العائلات الصغيرة التي قد لا يتجاوز استهلاكها 250 كيلو واط، بينما قد يشجع القرار أصحاب الاستهلاك المرتفع على إلغاء عداداتهم واللجوء للفاتورة الثابتة للهروب من فخ الشرائح المرتفعة، وهو ما يعزز حالة من عدم التوازن الفني والمالي في قطاع الطاقة
مقارنة مع الماضي: فجوة الأسعار وتآكل الرواتب
يستذكر المواطن عمر شيخو من زملكا الفوارق الشاسعة بين الأمس واليوم، مبيناً أن الفواتير سابقاً كانت رمزية إلى أقصى الحدود ولم تكن تتجاوز 30 ألف ليرة لعدة أشهر متراكمة، بينما يفرض القرار الحالي 160 ألف ليرة شهرياً في ظل ظروف معيشية خانقة، مطالباً بضرورة ربط أي زيادة في الرسوم بزيادة موازية في الرواتب لتمكين الناس من سداد الالتزامات الأساسية مثل الماء والكهرباء
التحدي المستمر: هل القياس هو الحل الوحيد؟
يبقى التساؤل قائماً حول نجاعة الفاتورة الثابتة كحل لضبط فوضى الاستجرار، فبينما يراها البعض وسيلة لتجنب مفاجآت الفواتير المرتفعة يراها آخرون عقوبة جماعية تتجاهل الفقر، ليبقى الحل الجذري معلقاً بمدى قدرة المؤسسة على تعميم العدادات وتطبيق نظام شرائح يحمي الفئات الأكثر احتياجاً ويحقق العدالة في التوزيع والجباية
اقرأ أيضاً:سوريا ما بعد التغيير: بين أحلام الياسمين وكوابيس الواقع
اقرأ أيضاً:فاتورة تفوق الدخل.. كيف انعكس رفع أسعار الكهرباء على حياة السوريين؟