تُعدّ تقلبات سعر صرف الدولار مقابل الليرة السورية من أبرز العوامل المؤثرة في المشهد الاقتصادي والاجتماعي في سوريا خلال السنوات الأخيرة، إذ تجاوز تأثيرها الإطار المالي ليطال تفاصيل الحياة اليومية، من تسعير السلع الأساسية إلى استقرار الأعمال وفرص العمل.
في محافظة اللاذقية، كما في غيرها من المناطق، انعكست تحركات سعر الصرف بشكل مباشر على الأسواق، في ظل اعتماد واسع على الاستيراد لتأمين السلع والمواد الأولية.
اضطراب في التسعير وتراجع في الطلب
يؤكد عدد من التجار أن التغير المستمر في سعر الصرف جعل عملية التسعير أكثر تعقيدًا. فالكثير من البضائع تُشترى بالدولار أو تُسعّر على أساسه، بينما تُباع بالليرة السورية، ما يعرّض التاجر لخسائر محتملة عند أي ارتفاع مفاجئ في سعر الدولار.
عبدالله، وهو تاجر مواد غذائية في اللاذقية، يقول إن الفارق بين وقت الشراء ووقت البيع قد يؤدي إلى خسائر مباشرة، خاصة عندما تبقى البضائع في المستودعات لأيام أو أسابيع قبل تصريفها. ويضيف أن حالة الترقب الدائم لتحركات سعر الصرف أثرت كذلك على حجم الطلب، إذ يتراجع الإقبال كلما ارتفعت الأسعار.
الأمر لا يقتصر على السلع المستوردة، بحسب تجار في مدينتي اللاذقية وجبلة، إذ ارتفعت تكاليف الإنتاج المحلي أيضًا نتيجة زيادة أسعار المواد الأولية المستوردة وتكاليف النقل والطاقة، ما قلّص هوامش الربح ودفع بعض أصحاب المحال إلى تقليص نشاطهم أو إغلاقه.
تراجع البيع بالتقسيط
أثرت تقلبات سعر الصرف كذلك على أنماط البيع، إذ تراجعت عمليات البيع بالتقسيط أو بالدين، والتي كانت شائعة في فترات استقرار الأسعار.
رباح عيسى، تاجر سيارات من طرطوس، يوضح أن البيع بالتقسيط بات ينطوي على مخاطر كبيرة، لأن قيمة السلعة قد تتضاعف خلال فترة سداد الأقساط. ويشير إلى أن بعض التجار باتوا يربطون الأقساط بالدولار لتفادي الخسائر، ما أدى إلى عزوف عدد من الزبائن عن الشراء.
تآكل القدرة الشرائية
على مستوى المستهلكين، تراجعت القدرة الشرائية بشكل ملحوظ، وفق ما أفاد به سكان في اللاذقية. ويقول أحد الأهالي إن المبلغ ذاته الذي كان يغطي احتياجات الأسرة قبل عام لم يعد يكفي اليوم لشراء الكمية نفسها من السلع، في ظل ارتفاع أسعار المواد الغذائية والأدوية والخدمات.
ويشير مواطنون إلى أن الأسعار ترتفع سريعًا عند صعود الدولار، لكنها لا تنخفض بالوتيرة نفسها عند تراجعه، ما يعمّق شعور عدم الاستقرار لدى المستهلكين.
تأثيرات على الخدمات الأساسية
ترتبط قطاعات حيوية مثل المحروقات والكهرباء والأدوية بسعر الصرف بشكل مباشر أو غير مباشر، ما يجعل أي ارتفاع فيه ينعكس على تكاليف النقل والتدفئة والرعاية الصحية والتعليم.
فالقطاع الصحي يعتمد إلى حد كبير على الأدوية والمستلزمات المستوردة، فيما ترتبط تكاليف الطباعة والكتب والأجهزة التعليمية في المدارس والجامعات بسعر الدولار، ما أدى إلى زيادة الأعباء المالية على الأسر.
سوق العمل والبطالة
أصحاب مشاغل صغيرة في الساحل السوري أشاروا إلى أن تراجع الاستقرار النقدي أدى إلى انخفاض الطلب في بعض القطاعات، ما دفع شركات إلى تقليص عدد العاملين لديها لتخفيف النفقات. ويقول أحد أصحاب المشاغل في طرطوس إن ضعف المردود وتراجع المبيعات أسهما في ارتفاع معدلات البطالة بين الشباب، وزيادة الضغوط المعيشية على الأسر.
فجوة بين السعر الرسمي والموازي
في مواجهة تقلبات السوق، اعتمدت الحكومة السورية سياسات شملت تحديد سعر صرف رسمي وتشديد الرقابة على التداول غير الرسمي، إلا أن وجود فجوة بين السعر الرسمي والسوق الموازية بقي عاملًا مؤثرًا في تحديد الأسعار الفعلية.
تجار في مدن اللاذقية وبانياس أشاروا إلى أن مراكز الجملة والاستيراد تعتمد في تسعيرها على سعر صرف أعلى من المعلن رسميًا، ما يؤدي إلى تفاوت الأسعار بين محل وآخر. ويؤكد بعضهم أن تعديل الأسعار أصبح شبه يومي، في ظل تغيرات متسارعة في سعر الصرف.
ويرى عدد من التجار أن استقرار سعر الصرف يمثل أولوية لتخفيف الخسائر وتنشيط حركة السوق، معتبرين أن التقلب المستمر يربك خطط العمل ويضعف الثقة بين التاجر والمستهلك.
في المحصلة، تبقى تقلبات سعر الصرف عاملًا مركزيًا في تشكيل الواقع الاقتصادي في اللاذقية، مع استمرار تأثيرها على النشاط التجاري والقدرة الشرائية ومستويات التشغيل، في انتظار حلول تعزز الاستقرار النقدي وتحد من تداعياته المعيشية.