الاستثمارات في سوريا بعد 2024: هل تقود العقود الجديدة إلى انتعاش اقتصادي حقيقي؟

 منذ سقوط النظام السابق نهاية عام 2024، عاد ملف الاستثمار في سوريا إلى الواجهة بوصفه الركيزة الأساسية لإعادة الإعمار وتحريك عجلة الاقتصاد بعد أكثر من عقد من الحرب والعقوبات والعزلة الدولية.

وخلال الأشهر الأخيرة، شهدت الساحة الاقتصادية تحركات إقليمية لافتة، تمثلت في توقيع اتفاقيات استثمارية كبرى وزيارات وفود اقتصادية إلى دمشق، في مؤشر إلى مرحلة جديدة من الانفتاح الاقتصادي.

مجلس الأعمال السعودي – السوري واتفاقيات استراتيجية:

أبرز التطورات كان الإعلان عن تأسيس مجلس الأعمال السعودي السوري، الذي لقي ترحيباً من رجال أعمال في البلدين، باعتباره خطوة لتعزيز الثقة في بيئة الأعمال السورية وفتح المجال أمام مشاريع مشتركة في قطاعات متعددة.

كما شهدت دمشق توقيع اتفاقيات استثمارية استراتيجية مع السعودية، وُصفت بأنها تمثل تحولاً مهماً في العلاقات الاقتصادية، وتؤسس لمرحلة تعاون أوسع تتجاوز العقود التقليدية نحو شراكات طويلة الأمد.

وفي السياق ذاته، وصل وفد اقتصادي من الأردن إلى العاصمة السورية لبحث فرص التعاون، ما يعكس اهتماماً متجدداً من الدول المجاورة بالسوق السورية.

تحديات الاقتصاد السوري رغم الانفتاح:

رغم هذه الدينامية، لا يزال الاقتصاد السوري يواجه تحديات بنيوية كبيرة، أبرزها:

1- انخفاض الناتج المحلي مقارنة بحجم الاحتياجات.

2- تدهور البنية التحتية (كهرباء، طرق، مياه، اتصالات).

3- الحاجة إلى إصلاحات تشريعية ومؤسساتية.

4- ضعف القدرة الشرائية للمواطنين.

ويرى مراقبون أن تخفيف العقوبات ودخول رؤوس أموال أجنبية قد ينقل الاقتصاد من مرحلة الاعتماد على المساعدات إلى مرحلة الاستثمار المنتج، إلا أن أثر هذه العقود لم ينعكس بعد بشكل ملموس على مستوى المعيشة.

لماذا لم يظهر الانتعاش الاقتصادي حتى الآن؟

فرضيات سياسية وإقليمية:

الكاتب والمحلل السياسي رامي الدباس يرى خلال حديثه لموقع “+963” أن تأخر النتائج قد يرتبط بسياق سياسي إقليمي معقد، ويطرح فرضية وجود حسابات دولية تؤجل إظهار ثمار الاستثمارات إلى ما بعد استقرار المشهد الإقليمي.

ويتحدث عن سيناريوهين محتملين:

1- بقاء سوريا موحدة مع تحسن تدريجي في الاقتصاد.

2- تفكك جغرافي قد يؤدي إلى نماذج نمو منفصلة في بعض المناطق.

كما يثير تساؤلات حول مستوى الإصلاح السياسي والحوكمة ومكافحة الفساد في المرحلة الانتقالية برئاسة أحمد الشرع.

عوائق بنيوية أمام تدفق الاستثمار:

من جهته، يحدد الباحث رامي الخليفة العلي ثلاثة عوائق رئيسية أمام ترجمة العقود الاستثمارية إلى نتائج ملموسة:

1. الوضع الأمني

رغم تحسن نسبي في بعض المناطق، لا يزال الاستقرار الأمني غير مكتمل، ما يجعل المستثمرين أكثر حذراً في ضخ رؤوس أموالهم.

2. البيئة التشريعية

غياب مجلس شعب جديد واستمرار العمل بقوانين قديمة يحدّ من جاذبية مناخ الاستثمار، وسط حاجة ملحة لإصلاحات قانونية واضحة.

3. ضعف البنية التحتية

أي مشروع استثماري يحتاج إلى كهرباء مستقرة وطرق ومياه وإنترنت فعّال، وهي قطاعات ما تزال بحاجة إلى إعادة تأهيل واسعة قد تستغرق سنوات.

ويضيف العلي أن الاستثمارات بطبيعتها تحتاج وقتاً قبل أن تنعكس على النمو وفرص العمل ومستوى الدخل، مشيراً إلى أن آلية توزيع الثروة تبقى عاملاً حاسماً في تحديد مدى استفادة المواطنين من أي انتعاش اقتصادي.

هل تقود الاستثمارات إلى تنمية مستدامة؟

السؤال المركزي الذي يطرحه السوريون اليوم: هل تمثل هذه العقود الاستثمارية بداية انتعاش اقتصادي فعلي، أم أنها التزامات سياسية تحتاج سنوات حتى تتحول إلى مشاريع منتجة على أرض الواقع؟

الخبراء يجمعون على أن النتائج لن تكون فورية، وأن تحقيق تنمية اقتصادية مستدامة يتطلب:

1- استقراراً سياسياً وأمنياً طويل الأمد.

2- إصلاحات تشريعية عميقة.

3- مكافحة الفساد وتعزيز الشفافية.

4- تحسين بيئة الأعمال والبنية التحتية.

حتى ذلك الحين، يبقى ملف الاستثمار في سوريا رهناً بمدى قدرة الحكومة الانتقالية على تحويل التعهدات إلى مشاريع إنتاجية حقيقية تخلق فرص عمل وتحسن مستوى المعيشة.

إقرأ أيضاً: اتفاقية طاقة ريحية بقدرة 700 ميغاواط في سوريا تثير تساؤلات حول شركة “مارف إنرجي”

إقرأ أيضاً: تأسيس “ناس سوريا”: شراكة طيران سعودية – سورية تثير جدل الجدوى والسيادة الاقتصادية

المزيد ايضا..
اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.