سوريا على خارطة الجوع: تحسّن محدود في الأمن الغذائي لا يخفف وطأة الفقر

تعكس نتائج المرحلة التاسعة من مسح الأمن الغذائي الأسري في سوريا لعام 2025 واقعًا معيشيًا شديد التعقيد، يتأرجح بين تحسّن نسبي مقارنة بالعام السابق، واستمرار هشاشة عميقة تطال غالبية السكان، في ظل فقر واسع وانعدام استقرار اقتصادي واجتماعي.

المسح، الذي أجرته هيئة التخطيط والإحصاء بالتعاون مع برنامج الأغذية العالمي، يوضح أن التحسّن المسجّل في بعض المؤشرات لا يزال محدود التأثير، ولم ينجح حتى الآن في إحداث تغيير جوهري في مستوى الأمن الغذائي على الصعيد الوطني، خاصة في المناطق الريفية والمخيمات وبين الفئات الأكثر ضعفًا.

مؤشرات وطنية مقلقة

وبحسب ما نقلته وكالة الأنباء السورية عن رئيس هيئة التخطيط والإحصاء أنس سليم، بلغت نسبة الأسر الآمنة غذائيًا في سوريا، باستثناء المخيمات، 18.4 بالمئة خلال عام 2025. وعلى الرغم من أن هذه النسبة تمثل ارتفاعًا مقارنة بعام 2024، إلا أنها تعني عمليًا أن أكثر من 80 بالمئة من الأسر ما تزال تعاني من انعدام أو هشاشة في الأمن الغذائي.

أما داخل المخيمات، فتبدو الصورة أكثر قتامة، إذ لم تتجاوز نسبة الأسر الآمنة غذائيًا 4.2 بالمئة، ما يعكس حجم التحديات الإنسانية التي يواجهها النازحون في ظل محدودية الموارد وضعف الاستجابة المستدامة.

ويظهر المسح كذلك تفاوتًا واضحًا بين المناطق الحضرية والريفية، حيث بلغت نسبة الأسر الآمنة غذائيًا في المدن 19 بالمئة، مقابل 16.4 بالمئة في الريف، في مؤشر على استمرار الفجوة بين الطرفين من حيث فرص الدخل، والوصول إلى الغذاء والخدمات الأساسية.

فئات أكثر هشاشة

وتبرز الهشاشة بشكل أوضح عند النظر إلى المؤشرات الاجتماعية، إذ لم تتجاوز نسبة الأمن الغذائي لدى الأسر التي تعيلها نساء 12 بالمئة، مقارنة بـ18.5 بالمئة لدى الأسر التي يعيلها رجال، ما يعكس التحديات الإضافية التي تواجهها النساء في سوق عمل محدود وشبكات حماية اجتماعية ضعيفة.

كما أظهرت البيانات أن الأسر التي تضم أفرادًا من ذوي الاحتياجات الخاصة من بين الأكثر تضررًا، حيث بلغت نسبة الأمن الغذائي لديها 10.5 بالمئة فقط، مقابل 18.6 بالمئة لدى الأسر التي لا تضم أفرادًا من هذه الفئة.

ولا يقل وضع الأسر النازحة داخليًا صعوبة، إذ سجلت نسبة أمن غذائي بلغت 11.8 بالمئة، مقارنة بـ18.9 بالمئة لدى الأسر المقيمة بشكل دائم، ما يؤكد أن النزوح ما يزال عاملًا رئيسيًا في تعميق انعدام الأمن الغذائي.

تفاوت جغرافي لافت

على مستوى المحافظات، تصدرت طرطوس قائمة المناطق الأكثر أمنًا غذائيًا بنسبة 29.9 بالمئة، تلتها ريف دمشق بـ27.6 بالمئة، ثم دمشق بـ21.9 بالمئة.

في المقابل، سجلت محافظات الرقة والحسكة والسويداء أدنى النسب، والتي تراوحت بين 4.2 و5.4 بالمئة، في انعكاس مباشر لتأثير عوامل متداخلة، تشمل الجفاف، وتراجع الإنتاج الزراعي، والاضطرابات الأمنية، وضعف شبكات الدعم الغذائي والاقتصادي.

كما أشار المسح إلى تفاوت مرتبط بمصادر الدخل، حيث بدت الأسر التي تعتمد على التجارة في وضع أفضل نسبيًا، بينما جاءت الأسر التي تعتمد على العمالة اليدوية غير الماهرة في مقدمة الفئات الأكثر هشاشة، بنسبة لم تتجاوز 10.5 بالمئة، ما يعكس هشاشة سوق العمل السوري وارتباط الأمن الغذائي باستقرار العمل ونوعيته.

تحسّن نسبي… ومخاوف مستمرة

ورغم التحسّن المسجّل مقارنة بعام 2024، حين لم تتجاوز نسبة الأسر الآمنة غذائيًا 11.1 بالمئة، إلا أن هذا التقدم النسبي لا يبدو كافيًا لتبديد المخاوف بشأن استدامته، في ظل استمرار العوامل البنيوية للأزمة، مثل التضخم المرتفع، وتراجع القدرة الشرائية، وضعف الإنتاج المحلي.

وتشير نتائج المسح إلى أن الفئات الأضعف، وفي مقدمتها النساء، والنازحون، وسكان المخيمات، وذوو الاحتياجات الخاصة، ما تزال تتحمل العبء الأكبر، ما يسلّط الضوء على الحاجة إلى انتقال السياسات العامة من الاستجابات الطارئة إلى برامج تنموية طويلة الأمد، تركز على إعادة بناء شبكات الأمان الاجتماعي ودعم سبل العيش المستدامة.

وتتوافق هذه النتائج مع تحذيرات سابقة لبرنامج الأغذية العالمي، الذي أكد أن نحو نصف سكان سوريا يواجهون انعدام الأمن الغذائي نتيجة النزاع المستمر والانهيار الاقتصادي وتصاعد العنف.

كما يعزز تقرير حديث لبرنامج الأمم المتحدة الإنمائي هذه الصورة، مشيرًا إلى أن ربع السوريين عاطلون عن العمل، وأن ثلاثة أرباع السكان يعتمدون على المساعدات الإنسانية، في حين يعيش نحو 90 بالمئة تحت خط الفقر.

ومع اقتراب سوريا من عام 2026، يبقى الأمن الغذائي أحد أكثر التحديات الاقتصادية والاجتماعية تعقيدًا، في بلد لا يزال يعاني من آثار حرب طويلة، ويكافح لتأمين الحد الأدنى من مقومات العيش الكريم في ظل معادلة ضاغطة تجمع بين الفقر، والبطالة، وضعف الإنتاج، واستمرار الاعتماد على المساعدات.

اقرأ أيضاً:دراسة تحذّر من مخاطر سياسات الاستثمار في سوريا وتدعو لمراعاة “تكلفة الفرصة البديلة”

حساباتنا: فيسبوك  تلغرام يوتيوب تويتر انستغرام

المزيد ايضا..
اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.