توقف إنتاج «تاميكو» يثير تساؤلات حول مستقبل الصناعة الدوائية في سوريا
أعاد إعلان شركة «تاميكو» للصناعات الدوائية عن توقف الإنتاج في مقرها البديل بريف دمشق تسليط الضوء على واقع الصناعة الدوائية الحكومية في سوريا، وما تواجهه من تحديات فنية واقتصادية، وسط نقاش متجدد حول تأثير سياسات الاستيراد على بقاء المنتج المحلي وقدرته على المنافسة.
وتُعد «تاميكو» إحدى أبرز الشركات الدوائية الحكومية، وشكّلت لسنوات ذراعًا أساسيًا لوزارة الاقتصاد والصناعة في تأمين جزء من احتياجات السوق المحلية من الأدوية. غير أن توقفها عن الإنتاج في مقرها الحالي جاء بعد تقارير فنية أكدت عدم مطابقة الموقع للمواصفات المعتمدة من وزارة الصحة، ما يعكس حجم الأضرار التي لحقت بالبنية التحتية الصناعية خلال السنوات الماضية، وصعوبة إعادة تشغيلها وفق المعايير الصحية المطلوبة.
بنية تحتية متهالكة وحلول مؤقتة
وأوضح المدير العام للشركة، عبد المعطي جمعة، أن الأزمة تعود في جذورها إلى الدمار الكامل الذي طال المقر الرئيسي للشركة في مدينة المليحة بريف دمشق، الأمر الذي فرض البحث عن مقر بديل لم يكن مؤهلًا من الناحية الفنية لتلبية متطلبات تصنيع الدواء، وفق ما نقلته وكالة الأنباء السورية «سانا».
وأدى هذا الواقع إلى لجوء الشركة إلى شراكات مع معامل دوائية خاصة، تقتصر فيها مساهمة «تاميكو» على تأمين المواد الأولية ومستلزمات الإنتاج، بينما تتم عملية التصنيع عبر خطوط إنتاج خارجية. وبذلك، انتقلت الشركة من موقع المنتج المباشر إلى دور أقرب إلى تأمين الخامات، في محاولة للحفاظ على وجودها في السوق وتفادي خسارة المواد المتوافرة لديها.
وفي السياق نفسه، أشار مدير التخطيط في الشركة، هاني السلطي، إلى أن العملية الإنتاجية المتكاملة، التي تشمل التحضير الكيميائي والتصنيع والتعبئة، باتت اليوم مجتزأة إلى حد كبير، حيث يقتصر نشاط الشركة فعليًا على مراحل نهائية مثل التعبئة والتغليف، في مؤشر على توقف النشاط التصنيعي الأساسي داخل المعمل.
جودة تحت المراقبة… وإنتاج غائب
ورغم هذا التراجع، أكدت المديرة التنفيذية للشركة، منار منصور، أن معايير الجودة ما تزال مطبقة على المواد الأولية والمنتجات النهائية، إذ تخضع المواد الداخلة في التصنيع لتحاليل مخبرية دقيقة قبل إدخالها إلى المستودعات، كما تُجرى اختبارات فنية على المنتجات النهائية للتأكد من مطابقتها للمواصفات المعتمدة.
غير أن هذه الإجراءات الرقابية، على أهميتها، لا تلغي حقيقة أن الشركة لم تعد تمارس إنتاجًا دوائيًا متكاملًا، وهو ما يطرح تساؤلات أوسع حول قدرة القطاع العام الصناعي على الاستمرار في ظل محدودية الإمكانات وتراجع الاستثمار في البنية التحتية.
الاستيراد في مواجهة الإنتاج المحلي
في المقابل، يرى الخبير الاقتصادي جورج خزام أن ما تمر به «تاميكو» يتجاوز كونه تعثرًا فنيًا لشركة واحدة، ليعكس مسارًا أوسع يطال القاعدة الصناعية الوطنية. ويعتبر أن السياسات الاقتصادية الحالية، ولا سيما تلك المتعلقة بالاستيراد، تسهم في إضعاف المنتج المحلي عبر منح تسهيلات واسعة للمستوردات البديلة، في وقت يفتقر فيه الصناعيون المحليون إلى الدعم الكافي.
ويحذر خزام من أن الاعتماد المتزايد على الاستيراد، تحت شعار اقتصاد السوق، قد يؤدي إلى تغيير بنية السوق لصالح فئة من المستوردين القادرين على ضخ منتجات منخفضة السعر، على حساب الصناعات الوطنية التي تراكمت خبرتها عبر عقود، ووفرت قيمة مضافة وفرص عمل محلية.
كما يشير إلى أن هذا التوجه يحمل مخاطر استراتيجية، إذ قد يؤدي إلى ربط تأمين السلع الأساسية، وفي مقدمتها الدواء، بعوامل خارجية تتعلق بالموردين والتمويل، بدل الاعتماد على إنتاج وطني مستدام قادر على تلبية الاحتياجات الداخلية.
مفترق طرق للصناعة الدوائية
وتُبرز قضية «تاميكو» إشكالية أعمق تتعلق بمستقبل الصناعة الدوائية في سوريا، بين خيار إعادة تأهيل المنشآت المتضررة وتحديثها، ووضع سياسات تحمي المنتج المحلي، وبين استمرار الاعتماد على حلول مؤقتة وسياسات استيراد قد تعمّق من تراجع الإنتاج.
ومع اتساع الفجوة بين القدرات الصناعية القائمة واحتياجات السوق، تبدو الصناعة الدوائية السورية أمام مفترق طرق، يتطلب قرارات تتجاوز المعالجات الآنية، باتجاه رؤية شاملة تعيد الاعتبار للإنتاج المحلي، وتوازن بين متطلبات السوق والانفتاح الاقتصادي، وضمان الأمن الدوائي على المدى الطويل.
اقرأ أيضاً:سوريا على خارطة الجوع: تحسّن محدود في الأمن الغذائي لا يخفف وطأة الفقر