العدالة العاطفية في ميزان الأمومة.. هل نحب أطفالنا جميعاً بالقدر ذاته؟

تحب الأم أبناءها بلا شك، لكن السؤال الذي يرافق الكثير من الأهالي بصمت هو: هل هذا الحب متساوٍ؟ وهل يمكن فعلاً أن نحب أطفالنا جميعاً بالطريقة نفسها؟ إنه سؤال حساس، غالباً ما يُقابل بالإنكار أو الشعور بالذنب، رغم أنه يعكس واقعاً إنسانياً أكثر تعقيداً مما نحب الاعتراف به في العلن.

لماذا يختلف حبنا لأطفالنا من طفل لآخر؟

الحب في جوهره ثابت، لكن طرق التعبير عنه تختلف باختلاف الكيان الذي يواجهنا؛ فكل طفل يأتي بشخصيته، احتياجاته، ومكانه الخاص في ترتيب العائلة. هناك طفل يحتاج إلى احتواء مستمر، وآخر يطلب الاستقلال، وثالث يعبّر عن قربه بطريقته الهادئة. إن اختلاف الاستجابة لهذه الاحتياجات لا يعني تفاوت الحب، بل هو وعي بما يناسب كل طفل على حدة، فالتعامل مع “بصمة” كل طفل هو قمة الذكاء العاطفي للأبوين.

سر الارتباط.. لماذا نشعر أحياناً بالقرب من طفل أكثر؟

القرب العاطفي ليس صدفة، بل هو كيمياء تتأثر بعوامل كثيرة، مثل المرور بمرحلة عمرية حساسة، أو وجود تشابه في الطباع بين الأم وطفلها، أو حتى الظروف التي مرّت بها الأسرة أثناء ولادته. فالطفل الذي جاء في وقت هدوء يختلف في ذاكرتنا العاطفية عن طفل وُلد وسط عاصفة من الضغوط، دون أن يكون لأيٍّ منهما ذنب في ذلك. هذه المشاعر لا تُصنّف كحب “أكثر” أو “أقل”، بل هي ارتباطات إنسانية تتشكل وتنمو مع الزمن.

الخطر الحقيقي.. حين يتحول الشعور إلى سلوك

المشكلة لا تكمن أبداً في “اختلاف المشاعر”، بل في انعكاسها على المعاملة اليومية. فحين يلاحظ الطفل تفضيلاً واضحاً في الاهتمام، أو الثناء، أو حتى في حجم التسامح مع الأخطاء، يبدأ الشعور بعدم الأمان. الأطفال رادارات بشرية؛ فهم لا يقيسون الحب بالكلمات الرنانة، بل بالوقت، والإنتباه، والإنصاف في المواقف البسيطة التي تجمعهم تحت سقف واحد.

المقارنة.. العدو الخفي الذي يقتل قيمة الطفل

عندما نقارن بين الأطفال، ولو كان ذلك بنية التحفيز، فإننا نزرع فجوة عميقة بينهم دون قصد. كل طفل يحتاج أن يُرى ككيان مستقل، لا كنسخة “أفضل” أو “أضعف” من أخيه. المقارنة تحوّل الحب داخل المنزل إلى حلبة منافسة، وتُربك إحساس الطفل بقيمته الذاتية، مما قد يولد جفاءً طويلاً بين الإخوة في المستقبل.

كيف نحقق العدالة العاطفية بعيداً عن فخ الذنب؟

العدالة لا تعني “المساواة الحسابية”، بل الاستجابة العادلة للاحتياج الفردي؛ أي أن يحصل كل طفل على ما يحتاجه في وقته المناسب. تخصيص وقت فردي لكل طفل، والإصغاء المركز، والانتباه للغة المستخدمة في التوجيه، كلها تفاصيل تصنع فارقاً كبيراً. أما الشعور بالذنب، فهو شعور شائع، لكن الوعي به هو الخطوة الأولى لتصحيح المسار؛ فلا أحد يُطالَب بمشاعر مثالية، بل بعلاقة واعية، صادقة، وعادلة.

في النهاية، قد لا نحب أطفالنا جميعاً بالطريقة نفسها، لكن يمكننا يقيناً أن نحبهم جميعاً بالقدر نفسه من الاحترام، والحضور، والالتزام، وهذا هو الحب الحقيقي الذي يبني أطفالاً أكثر أماناً وثقة بأنفسهم.

إقرأ أيضاً : أطفالنا ليسوا “نسخاً” للمقارنة.. كيف تحمين طفلك من فخ السباق المدرسي؟

إقرأ أيضاً : الأم العاملة: كيف تصمدين أمام الأحكام المجتمعية وتوازنين بين المنزل والعمل؟

حساباتنا: فيسبوك  تلغرام يوتيوب تويتر انستغرام

المزيد ايضا..
اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.