مزارعو البيوت المحمية في بانياس.. ديون تسبق الزراعة ومخاطر الإنتاج بلا حماية كافية

يدخل مزارعو البيوت المحمية في ريف بانياس الموسم الزراعي الجديد بأعباء مالية تتراكم قبل بدء الإنتاج، من ارتفاع أسعار النايلون والأسمدة والبذار إلى تكاليف التعقيم والري والعمالة. وفي قطاع تعتمد عليه آلاف الأسر لتأمين دخلها، لم تعد الزراعة ضمانة للاستقرار المعيشي، بل مغامرة تبدأ بالاستدانة وتنتهي بانتظار أسعار السوق، وسط مخاطر مناخية ومرضية لا يملك المزارع وحده القدرة على احتوائها.

وتتركز زراعة البيوت المحمية في مناطق البيضا والبساتين والخراب الشمالي، حيث يواصل المزارعون تجهيز أراضيهم رغم اتساع الفجوة بين كلفة الإنتاج والعائد المحتمل، في ظل غياب حلول كافية تخفف أعباء الموسم أو تحد من تعرض المنتج المحلي لتقلبات التسويق.

ملايين الليرات قبل جني أول محصول

في الخراب الشمالي، يستعد المزارع أحمد موسى لزراعة أربعة بيوت بالبندورة وأربعة بالباذنجان. ويقول لـ”الثورة السورية” إن تجهيز الأرض يبدأ بالفلاحة، التي تصل كلفتها إلى نحو 200 ألف ليرة للبيت الواحد، قبل احتساب الأسمدة والمياه والكهرباء والنايلون والتعقيم.

ويبلغ سعر بكرة النايلون الشفاف نحو 260 دولاراً، فيما تقدر كلفة تجهيز بيت الباذنجان بنحو ستة ملايين ليرة، وترتفع إلى ثمانية ملايين ليرة لبيت البندورة، قبل بدء الإنتاج. ولا تنتهي النفقات عند الزراعة، إذ تحتاج المحاصيل إلى تسميد ومتابعة مستمرة، بينما تهدد أمراض مثل الفيزاريوم واللفحة والعفن بخفض الإنتاج أو تدميره.

ويقول موسى إن الزراعة مصدر رزقه الوحيد، وإن المزارع يبدأ موسمه غالباً مثقلاً بالديون، معتمداً على أن تحقق الأسعار عند التسويق ما يكفي لتغطية النفقات وتسديد الالتزامات. لكن هذا الرهان لا تحكمه كلفة الإنتاج وحدها، بل سوق متقلبة لا تضمن سعراً منصفاً لمن يتحمل مخاطر الزراعة كاملة.

عواصف وأمراض وخسائر يتحملها المزارع

في منطقة البساتين، يواجه المزارع أحمد الشغري مخاطر إضافية تشمل الصقيع والرياح والعواصف التي قد تدمر الهياكل المعدنية وأغطية النايلون. ويستعيد خسارته أربعة بيوت محمية تضررت في عاصفة سابقة، بعدما وصل محصولها إلى مرحلة متقدمة من الإنتاج.

كما قد يؤدي انتشار الفيزاريوم إلى خسارة واسعة، خصوصاً عند فشل التعقيم أو وصول شتول مصابة، بما يفرض تكاليف جديدة لإعادة تجهيز الأرض، وقد يبدد موسماً كاملاً.

وفي مواجهة هذه المخاطر، يظل المزارع مطالباً بتأمين المستلزمات ومكافحة الأمراض وتحمل الخسائر، من دون ضمانات كافية تحمي دخله. ويكشف ذلك قصوراً في منظومة الدعم الزراعي، إذ لا تكفي الإرشادات الفنية وحدها ما لم تترافق مع تخفيف كلفة الإنتاج، وتوفير مستلزمات بأسعار مناسبة، وآليات فعالة للتأمين والتعويض.

44 ألف بيت محمي تحت ضغط السوق

بحسب مدير زراعة طرطوس، محمد عدنان أحمد، يبلغ عدد البيوت المحمية في ريف بانياس 44 ألفاً و824 بيتاً، وتشغل البندورة نحو 90 بالمئة منها، فيما تتوزع المساحة المتبقية على محاصيل بينها الباذنجان والفليفلة والفاصولياء.

وتشير المعلومات الميدانية إلى ارتفاع أسعار البذار والأسمدة والأدوية الزراعية بنحو 20 بالمئة مقارنة بالموسم الماضي، بالتزامن مع ارتفاع سعر لفة النايلون من 200 إلى 260 دولاراً. ويعتمد نحو 80 بالمئة من المزارعين على الشراء بالدين لتأمين احتياجاتهم، ما يجعل نجاح الموسم مرتبطاً بقدرتهم على بيع المحصول بأسعار تغطي ديونهم قبل تحقيق أي دخل فعلي.

ولا تنتهي المشكلة عند ارتفاع التكاليف؛ فمع تركز الزراعة في محصول واحد، تصبح المنطقة أكثر عرضة لتقلبات أسعاره، فيما يزيد دخول المنتجات المستوردة خلال فترات الذروة الضغط على المنتج المحلي. ويطالب المزارعون بتسهيل التصدير وتخفيف أعباء الكهرباء والمحروقات، لكن هذه المطالب لا تجد انعكاساً كافياً في إجراءات تحميهم من الخسارة.

وهكذا، يدخل مزارعو بانياس موسماً جديداً من دون ضمانات تتناسب مع حجم المخاطر التي يتحملونها. فارتفاع كلفة المستلزمات، والاستدانة الواسعة، وضعف الحماية التسويقية تجعل استمرار آلاف الأسر في الزراعة مرهوناً بعوامل خارجة عن سيطرتها، فيما يبقى التدخل الحكومي المطلوب أبعد من معالجة موسمية: سياسة تخفض تكاليف الإنتاج، وتفتح منافذ التسويق، وتحمي المزارع من أن يتحول كل موسم إلى دين جديد.

 

اقرأ ايضاً: الزراعة المحمية في سوريا.. 97 ألف بيت بلاستيكي لتعزيز الأمن الغذائي ومواجهة الجفاف

حساباتنا: فيسبوك  تلغرام يوتيوب تويتر انستغرام

المزيد ايضا..
اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.