سوريا ما بعد التغيير: بين أحلام “الياسمين وكوابيس الواقع”

داما بوست -خاص

​لم يكن سقوط النظام في سوريا في مخيلة الحالمين مجرد حدث سياسي، بل كان وعداً بالخلاص من عقود الألم لكن، وبعد مرور أكثر من عام على تبدّل الملامح السياسية، يجد السوريون أنفسهم أمام تساؤل وجودي مر: هل كانت الحرية مجرد بوابة للعبور من سجن الاستبداد إلى فخ العجز الخدمي؟ بين صخب النجاح المفترض في التجربة الإدلبية، وواقع الانهيار في بقية المحافظات، تتسع الفجوة يومياً بين خطابات الفجر الجديد وبين 90% من الشعب الذي بات يعيش تحت خط الفقر المدقع، وفقاً لبيانات أممية.

​تضاريس القمامة…عندما يصبح “التنفس” معركة

​في شوارع دمشق التي كان يُنتظر أن تستعيد ألق ياسمينها، برزت تضاريس جديدة لم تكن في الحسبان، أكوامٌ من النفايات باتت تحدد جغرافيا الأحياء. في حي المزة العريق، تبدل المشهد من النظافة المستمرة إلى تراكمٍ يهدد بالانفجار البيئي.

​يقول أحد السكان بمرارة: “نحن نُدفن اليوم تحت أنقاض إهمال جديد.. أطفالنا يمرضون يومياً، فهل هذا هو الفجر الذي انتظرناه؟. ومع غياب الحلول، تحولت سماء الحي إلى مسرح للأبخرة السامة نتيجة لجوء السكان لحرق النفايات، ما أدى لقفزة مهولة في الأمراض التنفسية وسط تطنيش حكومي مقصود.

​و خلف كواليس هذا الانهيار، كشفت جولة لفريق داما بوست عن خلل بنيوي في منظومة الخدمات. أحد عمال النظافة أكد خلال حديثه لـ “داما بوست” أن  تراجع عدد الآليات العاملة إلى أقل من النصف عما كانت عليه قبل سقوط النظام السابق أدى إلى غرق بعض الأحياء بالقمامة، كما أن عمليات الفصل التعسفي طالت الخبرات القديمة، ليحل محلها كوادر تفتقر لأدنى معايير الكفاءة المهنية.

الكهرباء.. الضوء الذي جاء بفاتورة عقابية

​في قطاع الطاقة، تبدو المفارقة أكثر قسوة واستبشر السوريون خيراً بانحسار ساعات التقنين، لكن الفرحة تحولت إلى صدمة اقتصادية غير مسبوقة. ارتفعت التعرفة إلى 60 ضعفاً، لتقفز الفاتورة المنزلية من 10 آلاف ليرة إلى نحو 3 ملايين ليرة سورية.

​هذا القرار غير المدروس أشعل فتيل الاحتجاج في شوارع دمشق حيث خرج المتظاهرون ليؤكدوا أن الكهرباء حق وليست رفاهية.

أحد المحتجين (براتب لا يتجاوز 200 دولار) صرخ في وجه الواقع: فاتورتي تجاوزت المليون ونصف المليون.. لن أدفع حتى لو سُجنت، فمن وضع هذه الأرقام يعيش في كوكب آخر. ورغم الوعود المسربة عن دراسة لتعديل الأسعار بتوجيهات من “الرئيس الانتقالي”، يبقى المواطن معلقاً على حبال الآمال التي لم تتحقق بعد.

​عالم افتراضي بأسعار واقعية فضائية!!!

​وزارة الاتصالات لم تغرد خارج سرب الغلاء؛ إذ رفعت أسعار باقات الإنترنت لأرقام خيالية تحت شعار تحسين الجودة، لكن الواقع التقني كذّب الوعود؛ فالباقة التي كانت تصمد لشهر باتت تنفد في نصفه، وبسعر تضاعف 5 مرات، مما جعل العالم الرقمي حكراً على طبقة معينة في بلدٍ منهك.

​إن المأساة الكبرى لا تكمن في غياب الخدمات فحسب، بل في استنساخ أدوات القمع. فالثورة التي قامت للمطالبة بالكرامة وحق الاعتراض، تُواجه اليوم بظهور “شبيحة السلطة الجدد”. هؤلاء أعادوا إنتاج خطاب التخوين، ليصبح كل مواطن يطالب بحقه في حياة كريمة مجرد انفصالي أو عميل في نظر القابضين الجدد على مفاصل القرار.

وفي النهاية، لا تُقاس مرحلة ما بعد التغيير بالشعارات ولا بالخطابات، بل بقدرتها على تحسين حياة الناس اليومية. حين تتراكم الأزمات الخدمية وتُرهق الرواتب بفواتير لا تُحتمل، يصبح السؤال مشروعًا: أين انعكاس هذا التغيير على واقع المواطن؟

وتتسع الفجوة أكثر حين يشاهد الناس مواكب السيارات الفارهة ومظاهر الرفاهية الرسمية، بينما يُطلب منهم الصبر وشدّ الأحزمة. فالدولة التي تسعى لبناء ثقة جديدة لا يمكن أن تبدأ من مشهد امتيازات معزولة عن معاناة الشارع.

إما أن يتحول التغيير إلى عقدٍ عادل يضع المواطن أولًا، أو يبقى مجرد تبدّل وجوه، فيما تستمر المعاناة بثوبٍ مختلف.

إقرأ أيضاً: سوريا 2026: دوامة من الجدل والاحتجاجات في خضم تحديات متصاعدة

إقرأ أيضاً: احتجاجات في الدانا شمالي إدلب رفضاً لقرارات إدارية ونقل مؤسسات خدمية

المزيد ايضا..
اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.