الخبز المدعوم في إدلب: دعم خفّض السعر ورفع الطوابير… أين الخلل؟

مع بزوغ الفجر، وفي درجات حرارة شتوية قاسية، تعود طوابير الخبز لتتصدر المشهد اليومي في مدن وبلدات محافظة إدلب وريفها. رجال ونساء، أطفال وكبار سن، يقفون لساعات طويلة أمام الأفران بانتظار الحصول على مادة يفترض أنها أصبحت أكثر توفرًا بعد إدراجها ضمن مشروع “الخبز المدعوم”.

المفارقة أن هذه الطوابير ظهرت بالتزامن مع بدء تنفيذ المشروع، الذي خُفّض بموجبه سعر ربطة الخبز إلى 10 ليرات تركية بوزن 1200 غرام لعشرة أرغفة، بعد أن كانت تباع بالسعر ذاته تقريبًا لكن بوزن أقل (700 غرام). خطوة هدفت، نظريًا، إلى تخفيف العبء المعيشي عن السكان، لكنها عمليًا أدت إلى ضغط غير مسبوق على الأفران، وسط طلب متزايد وقدرة إنتاجية محدودة.

وخلال أيام قليلة، تحولت أزمة الخبز إلى حديث الشارع في إدلب: هل السبب سوء تنظيم؟ أم خلل في التوزيع؟ أم تجاوزات في الاستهلاك؟ أم أن المشكلة أعمق من ذلك وترتبط بإدارة المشروع وآلية تطبيقه؟

تغيير آلية التشغيل… نقطة التحول

أبو أحمد، صاحب فرن “النادر” في مدينة سلقين شمال غربي إدلب، يوضح في حديثه لـ تلفزيون سوريا أن الازدحام لم يكن نتيجة الدعم بحد ذاته، بل بسبب التغييرات التي رافقت إطلاق المشروع.

ويشرح أن الأفران كانت تعمل سابقًا اعتبارًا من منتصف الليل، حيث يتم تزويد القرى والريف أولًا، ثم تغذية المدن في ساعات الصباح. إلا أن بدء مشروع الخبز المدعوم ترافق مع قرار يقضي بتأخير بدء العمل إلى الساعة الرابعة فجرًا، ما أحدث خللًا في مسار التوزيع.

وخلال أيام قليلة، بدأ سكان القرى المحيطة بالتوجه مباشرة إلى أفران المدن، بعد تراجع قدرتها على تلبية احتياجات الريف كما في السابق، الأمر الذي أدى إلى ضغط كبير على الأفران داخل المدن، وتراجع قدرتها على تزويد المعتمدين بالكميات المعتادة.

تراجع دور المعتمدين

قبل بدء المشروع، كان المعتمدون يشكلون حلقة أساسية في تخفيف الازدحام أمام الأفران. إلا أن هذا الدور تراجع بشكل ملحوظ بعد تقليص مخصصاتهم.

بحسب أبو أحمد، كانت بعض نقاط البيع تحصل يوميًا على ما بين 100 و300 ربطة خبز، في حين انخفضت هذه الكميات حاليًا إلى نحو 10 ربطات فقط. هذا التراجع دفع المواطنين، عند نفاد الخبز لدى المعتمد، إلى التوجه مباشرة نحو الفرن والوقوف في الطوابير. ويرى أن هذا القرار أسهم بشكل مباشر في تفاقم الأزمة، بدل الحد منها.

من جهته، قال مدير فرع مخابز إدلب، أحمد إسماعيل الداني، إن أسباب الازدحام تعود إلى مجموعة عوامل مجتمعة، من بينها اعتماد عطلة يوم الجمعة، ما أدى إلى تركز الطلب في بقية أيام الأسبوع.

وأضاف أن سوء الأحوال الجوية خلال الفترة الماضية، إلى جانب إقبال بعض المواطنين على شراء كميات تفوق حاجتهم اليومية، ساهما في زيادة الضغط على الأفران.

طوابير ومشاجرات يومية

في مدينة الدانا شمالي إدلب، يقول محمد عدنان إن الوقوف في طوابير الخبز أصبح جزءًا من الحياة اليومية، مشيرًا إلى وقوع عشرات المشاجرات يوميًا بسبب الازدحام والتدافع، في ظل البرد والمطر.

وفي مدينة سلقين، يؤكد عادل مكسور أن هذه المشاهد لم تكن مألوفة في إدلب خلال السنوات الماضية، معتبرًا أن ما يجري يعكس تراجعًا في مستوى الخدمات، بدل تحسنها.

في المقابل، يرى جميل بكور، من مدينة الأتارب غربي حلب، أن المشكلة لا تتعلق بنقص الطحين أو المازوت، بل بآلية تنظيم العمل، مقترحًا اعتماد نظام ثلاث ورديات يومية (8 ساعات لكل وردية) بدل تعطيل يوم كامل، بما يخفف الضغط على العمال والمواطنين معًا.

لا نقص في الطحين… وفق الجهات الرسمية

أكد مدير فرع مخابز إدلب عدم وجود أي مشكلات فنية أو إنتاجية تتعلق بتأمين الطحين أو المازوت، مشيرًا إلى أن جميع المستلزمات متوفرة لفترات طويلة. وأضاف أن الجهات المعنية ألغت عطلة يوم الجمعة، ورفعت مخصصات الأفران اليومية من 60 إلى 70 طنًا، مع تشديد الرقابة لمنع أي تجاوزات أو تلاعب.

مع تصاعد الأزمة، انتشرت اتهامات عبر وسائل التواصل الاجتماعي تتحدث عن استخدام الخبز المدعوم كعلف للحيوانات، بسبب فارق السعر بين الخبز والأعلاف. لكن أصحاب الأفران، ومنهم أبو أحمد، يستبعدون هذا الطرح، مشيرين إلى أن تحديد سقف البيع بثلاث ربطات للشخص الواحد يجعل استخدام الخبز كعلف غير مجدٍ اقتصاديًا.

في المقابل، لا تستبعد الجهات الرسمية وجود تجاوزات فردية من “ضعاف النفوس”، مؤكدة أن أي حالة مثبتة يتم التعامل معها قانونيًا، وقد تصل العقوبة إلى الإحالة للقضاء. إلى جانب ذلك، يشير أصحاب الأفران إلى تخفيض مخصصات الطحين، في وقت كان يُفترض فيه زيادتها مع إطلاق الدعم. ويؤكد أبو أحمد أن فرنه خُفّضت مخصصاته اليومية بنحو 800 كيلوغرام.

كما أدى رفع وزن ربطة الخبز إلى 1200 غرام إلى تقليص عدد الربطات المنتجة في الساعة، ما خلق فجوة إضافية بين العرض والطلب. ويقترح بعض أصحاب الأفران تخفيض الوزن إلى 900 غرام لتحسين الجودة وزيادة الإنتاج دون رفع السعر.

إجراءات رسمية لاحتواء الأزمة

أجرى محافظ إدلب، محمد عبد الرحمن، جولة ميدانية على عدد من الأفران، وأعلن عن تشغيلها على مدار 24 ساعة، وزيادة مخصصات الطحين، مؤكدًا أن الأزمة ستُحل خلال أيام. وأوضح أن برنامج الدعم الحالي مدته 40 يومًا، وقد مرّ أسبوع واحد فقط منذ انطلاقه، على أن يتم تقييمه لاحقًا.

ورغم هذه الإجراءات، لا تزال الطوابير قائمة في عدد من المناطق، وسط قناعة متزايدة لدى السكان بأن المشكلة لا تكمن في الدعم نفسه، بل في آلية تطبيقه، وتوقيت القرارات، وعدم مواءمة الطاقة الإنتاجية مع حجم الطلب المتوقع.

اقرأ أيضاً:سورية والسعودية تتفقان على إنشاء محطتي كهرباء بالطاقة المتجددة

حساباتنا: فيسبوك  تلغرام يوتيوب تويتر انستغرام

المزيد ايضا..
اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.