من الدعم إلى النفوذ.. ماذا تريد السعودية من سوريا؟

تتجه العلاقات السعودية السورية إلى مرحلة تتجاوز الدعم الاقتصادي وخطط إعادة الإعمار، مع بروز ملفات الأمن الإقليمي والسياسة الخارجية في صلب الاتصالات بين الرياض ودمشق، بالتزامن مع تصاعد التوتر في المنطقة والحرب الدائرة في اليمن.

وجاء لقاء الرئيس الانتقالي السوري أحمد الشرع وولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان في الرياض، في 6 تشرين الأول/أكتوبر، ليبحث العلاقات الثنائية وتطورات المنطقة، بحضور وزير الدفاع السعودي خالد بن سلمان ومستشار الأمن الوطني مساعد العيبان، في مؤشر، بحسب قراءات سياسية، إلى اتساع الملفات التي تناقشها الدولتان لتشمل قضايا الدفاع والأمن والاستقرار الإقليمي.

وتزامن اللقاء مع تصعيد من جانب “الحوثيين” في اليمن، شمل استهداف مطارات ومنشآت سعودية، في وقت يجري فيه بحث إمكانية تقديم دمشق دعماً عسكرياً دفاعياً للرياض، على أن يتم أي تعاون من هذا النوع عبر القنوات الرسمية وضمن الاتفاقات الثنائية، وفق ما ورد في المادة.

هذا التطور يطرح تساؤلات حول طبيعة الدور الذي تسعى السعودية إلى دفع سوريا نحوه: هل تبقى دمشق في موقع الدولة التي تحتاج إلى دعم اقتصادي لإعادة بناء مؤسساتها، أم تتحول تدريجياً إلى طرف في ترتيبات سياسية وأمنية إقليمية أوسع؟

من دعم الاستقرار إلى بناء دور إقليمي

يرى محمد ثابت حسنين، الباحث في العلاقات الدولية والجيوسياسية ومحلل المخاطر الجيوسياسية، أن العلاقات السعودية السورية تمر بمرحلة إعادة تموضع تتجاوز المساعدات الاقتصادية ودعم الاستقرار الداخلي.

ويقول حسنين إن الرياض تتعامل مع سوريا باعتبارها جزءاً من معادلة أمنية إقليمية، وليس فقط دولة تحتاج إلى التعافي، مشيراً إلى أن موقعها الجغرافي يجعلها حلقة وصل استراتيجية بين الخليج والبحر المتوسط وأوروبا، وعاملاً مؤثراً في التوازنات الأمنية في المنطقة.

وبحسب قراءته، فإن ما تريده السعودية من دمشق يتضمن تعزيز استقلالية القرار السوري، والحد من نفوذ قوى إقليمية قد تتعارض مصالحها مع أمن الخليج، إلى جانب تأمين الحدود والممرات التجارية وسلاسل الإمداد التي يمكن أن تصبح سوريا جزءاً منها.

ويضيف أن الرياض تسعى أيضاً إلى منع نشوء فراغات أمنية داخل الأراضي السورية، بحيث لا تتحول البلاد مجدداً إلى مصدر لأزمات أمنية أو سياسية في محيطها.

اليمن يوسّع النقاش الأمني

ويربط حسنين بين توقيت زيارة الشرع إلى الرياض والتطورات الأمنية في اليمن، ولا سيما الهجمات التي استهدفت مطارات ومنشآت سعودية في جازان ونجران، إضافة إلى اعتراض صاروخ باليستي شمال الرياض.

ويرى أن وجود وزير الدفاع السعودي خالد بن سلمان ومستشار الأمن الوطني مساعد العيبان خلال اللقاء يعكس، من وجهة نظره، حضور الملفات الدفاعية والأمنية والتهديدات العابرة للحدود في النقاش بين الطرفين.

ولا يعني ذلك، وفق حسنين، أن دمشق ستنخرط عسكرياً بصورة مباشرة في أزمات بعيدة عن حدودها، ومنها اليمن، وإنما يمكن أن تؤدي دوراً غير مباشر من خلال تعزيز الاستقرار في شمال المنطقة العربية.

ويعتبر أن استقرار سوريا سياسياً وعسكرياً يمكن أن يحد من استخدام أراضيها في نقل السلاح أو دعم الجماعات المسلحة، ويجعلها، وفق هذا التصور، جزءاً من منظومة أمن إقليمي أوسع بدلاً من بقائها دولة متلقية للدعم.

قسد والجنوب.. ملفات على الطاولة

وفي الملف السوري الداخلي، يقول حسنين إن السعودية تدفع باتجاه معالجة ملف قوات سوريا الديموقراطية “قسد” من خلال حلول وطنية تجمع دمشق بالمكونات العشائرية العربية في شرق الفرات، بما يضمن، بحسب رؤيته، بسط سيادة الدولة السورية وإنهاء بؤر التوتر مع القوى الإقليمية المجاورة، ومن بينها تركيا.

أما الجنوب السوري، فيرى أنه يمثل أهمية مباشرة للأمن القومي العربي وللأردن، حليف السعودية، مشيراً إلى أن الرياض تدعم تولي الدولة السورية مسؤولية ضبط المنطقة، بما يشمل مواجهة تهريب المخدرات والسلاح ومنع وجود فصائل غير نظامية يمكن أن تهدد أمن الحدود.

وفي ما يتعلق بإسرائيل، يقول حسنين إن المقاربة السعودية تقوم على التهدئة الإقليمية واستخدام القنوات الدبلوماسية والضغط السياسي الدولي لحماية سوريا من الاعتداءات الإسرائيلية، مع استمرار الموقف العربي المطالب باستعادة الجولان السوري المحتل.

الاستثمار مقابل الاستقرار

اقتصادياً، يربط حسنين بين الاستثمارات السعودية المرتقبة في سوريا وبين المتطلبات الأمنية والسياسية التي ترافقها.

ويشير إلى حزم استثمارية بمليارات الدولارات في قطاعات الطاقة والاتصالات وتطوير المطارات، ومن بينها مطار حلب الدولي عبر صندوق “إلاف”، معتبراً أن الرياض تنتظر في المقابل وضوحاً أكبر في السياسة السورية، خصوصاً لجهة عدم الانضمام إلى محاور إقليمية تستهدف أمن الخليج.

كما يتوقع أن يتزايد التنسيق بين دمشق والرياض في إطار العمل العربي المشترك، بما يشمل المواقف الدبلوماسية من أزمات المنطقة في المحافل الدولية.

ويصف حسنين هذا المسار بأنه انتقال من الاستثمار التجاري والاقتصادي إلى شراكة أوسع، معتبراً أن الإنفاق على البنية التحتية السورية يمثل، في الرؤية السعودية التي يعرضها، جزءاً من الاستثمار في الاستقرار الإقليمي.

ويفسر تركيز البيان الختامي للقاء الشرع ومحمد بن سلمان على “مستجدات الأحداث في المنطقة” و”دعم الأمن والاستقرار الإقليمي” بدلاً من التركيز على الأرقام والتفاصيل الاقتصادية، بالانتقال من مرحلة تمهيدية إلى مرحلة استراتيجية.

ففي المرحلة السابقة، وفق حسنين، ركزت العلاقات على كسر العزلة عن سوريا وبناء الثقة وإطلاق مشاريع النقل والطاقة والطيران والاتصالات، بينما أصبحت الأولوية حالياً للتعامل مع الأزمات المحيطة بالبحر الأحمر واليمن ومنطقة الشام.

ويؤكد أن ذلك لا يعني تراجع الملف الاقتصادي، وإنما يعكس، بحسب تحليله، قناعة بأن الاستثمارات والمشاريع الكبرى تحتاج إلى بيئة أمنية مستقرة لحمايتها وضمان نتائجها.

وبناءً على ذلك، يرى حسنين أن العلاقات السعودية السورية تنتقل من مرحلة “بناء الجسور” إلى إدارة المصالح والمخاطر المشتركة، مع تصاعد وزن الملفات السياسية والأمنية في تحديد مسارها.

السعودية تريد دوراً سورياً أوسع

من جهته، يرى عبد الله شلش، المحلل السياسي المقيم في العراق، في حديث لموقع “963+”، أن موقع سوريا يجعلها طرفاً مهماً في التوازنات الإقليمية، مشيراً إلى تزايد الزيارات العربية والأوروبية إلى دمشق ودعواتها للمشاركة في تحالفات ومؤتمرات.

ويقول شلش إن السعودية تسعى إلى منح سوريا دوراً أكبر في المرحلة المقبلة، وإن العلاقة بين البلدين لن تقتصر على الاقتصاد، بل يمكن أن تمتد إلى ملفات سياسية وأمنية.

ويشير إلى أن سوريا شاركت، بحسب قوله، في مؤتمر روما للدول ودول التحالف الدولي التي انسحبت من العراق، كما يتحدث عن دعم دولي لسوريا بقيمة 70 مليار دولار، معتبراً أن التطورات الإقليمية والحرب بين “أنصار الله” والجهات المنخرطة في مواجهتهم قد تفتح المجال أمام أدوار جديدة لدمشق.

ويرى شلش أن سوريا يمكن أن تؤدي دوراً في دعم الاستقرار الإقليمي، وأن ذلك قد يفتح الطريق أمام شراكة أوسع مع السعودية، لكنه يحذر في الوقت نفسه من تعقيدات الداخل السوري، في ظل تعدد المكونات والملفات الأمنية والسياسية العالقة.

ويضع في مقدمة هذه الملفات قضية “قسد”، إلى جانب قوات الجنوب السوري، والعلاقة المتوترة بين سوريا وإسرائيل، وما يصفه بالتدخلات التركية في عدد من الملفات السورية.

وبحسب شلش، يمكن للسعودية أن تلعب دوراً في تهدئة بعض هذه الملفات والمساعدة في إيجاد ترتيبات لمعالجة ملفات أخرى، مستفيدَةً من علاقاتها الإقليمية والاتفاقات التي سبق أن أبرمتها مع أطراف مختلفة.

مواجهة النفوذ الإيراني والبحر الأحمر

ويضع شلش التحرك السعودي في إطار منافسة أوسع مع إيران، معتبراً أن الرياض تسعى إلى تعزيز دورها الإقليمي وقيادتها للمكون السني، إلى جانب توسيع حضورها في الملفات العربية.

ويربط ذلك أيضاً بالوضع في البحر الأحمر، حيث يقول إن السعودية لا تريد إغلاق باب المندب، وتسعى إلى إنهاء تهديد “أنصار الله”.

ويضيف أن التطورات المتعلقة بسوريا واليمن والعراق ولبنان قد تجعل الدور السوري أكثر ارتباطاً بالترتيبات الإقليمية خلال المرحلة المقبلة.

وبينما يختلف تقدير طبيعة الدور الذي يمكن أن تؤديه دمشق، تتفق القراءات الواردة في المادة على أن العلاقة السعودية السورية لم تعد محصورة في الاستثمار وإعادة الإعمار، وأن الملفات الأمنية والسياسية باتت حاضرة بقوة في مسارها.

ويبقى السؤال الأساسي مرتبطاً بحدود هذا التحول: إلى أي مدى ستقبل دمشق بدور أمني وسياسي إقليمي، وكيف ستوازن بين الشراكة مع الرياض وتعقيدات الملفات السورية وعلاقاتها مع بقية القوى الإقليمية؟

اقرأ أيضاً:زيارة خاطفة للشرع إلى الرياض تثير جدلاً حول «تجنيد السوريين» في اليمن

حساباتنا: فيسبوك  تلغرام يوتيوب تويتر انستغرام

المزيد ايضا..
اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.