علاج سرطان الثدي في سوريا.. مريضات يبعن ممتلكاتهن ويواجهن نقص الأدوية وغلاء الجرعات
لا ينتهي القلق عند سماع تشخيص سرطان الثدي في سوريا، بل تبدأ بعده معركة أخرى لتأمين الدواء والفحوص والمراجعات الطبية، في رحلة قد تستنزف مدخرات الأسرة وتدفعها إلى بيع ممتلكاتها أو الاستدانة لمواصلة العلاج. وبين خدمات توصف بأنها مجانية وأدوية يصعب الحصول عليها، تجد مريضات أنفسهن أمام تكاليف لا تتناسب مع إمكاناتهن، فيما يصبح الالتزام بالخطة العلاجية مرتبطاً بقدرتهن على الدفع.
اضطرت غادة محمد إلى بيع سيارة أسرتها لتغطية نفقات علاجها، بعدما اكتشفت أن ثمن الدواء ليس سوى جزء من فاتورة طويلة تشمل التحاليل والمراجعات الطبية. وقالت إن الحصول على فحوص بأسعار رمزية عبر إحدى الجمعيات في دمشق يتطلب انتظار شهر أو أكثر، وهي مدة لا تسمح بها حالتها الصحية، مضيفة: “طريق العلاج طويل وثقيل”.
أما ريم ديب، البالغة 52 عاماً، فتقول إن مراجعتها مستشفى البيروني لم تعنِ حصولها على العلاج مجاناً، إذ اقتصر ما وفره المستشفى، بحسب شهادتها، على مكان لتلقي العلاج، بينما بقي تأمين الأدوية على نفقتها الخاصة. وتبلغ تكلفة جرعة العلاج التي تشتريها نحو 150 دولاراً، عدا الحقن والأدوية الأخرى، فضلاً عن تنقلها المتكرر من حمص إلى دمشق.
الفحوص المبكرة تصطدم بكلفة الوصول
في اللاذقية، تقدم الجمعية السورية الخيرية لأورام الثدي خدمات الكشف المبكر والتوعية والدعم النفسي. وقال رئيس مجلس إدارتها أحمد وليد برو إن الجمعية، التي أُشهرت عام 2008، توفر التصوير بجهازي الماموغرام والإيكو، وتحدد الفحوص والمتابعة وفق العمر والنتائج الطبية، مع مراعاة خصوصية المراجعات.
لكن وجود هذه الخدمات لا يلغي العائق المالي أمام بعض النساء، ولا يضمن وصولهن إليها في الوقت المناسب. وأشار برو إلى أن الخوف من اكتشاف المرض والمعلومات المغلوطة عن الخزعة والتصوير قد تدفع نساء إلى تأجيل الفحص، فيما يزيد الوضع المادي الصعب من تعقيد الوصول إلى التشخيص المبكر.
وبحسب برو، قد تصل فرص الشفاء إلى نحو 95% عند اكتشاف المرض في مراحله الأولى. غير أن هذه الفرصة تبقى مرتبطة بقدرة المريضة على الوصول إلى الفحص والمتابعة والعلاج، لا بمجرد توافر الخدمة في مركز طبي.
نقص الأدوية يدفع المرضى إلى السوق السوداء
وقالت الدكتورة الصيدلانية هالة شاهين، الأستاذة في جامعة الشام، إن علاج سرطان الثدي يختلف بحسب نوع الورم وخصائصه ومرحلته والمستقبلات التي يحملها. وأشارت إلى أن نقص الأدوية المستوردة يدفع بعض المرضى إلى البحث عنها في السوق السوداء، حيث قد تصل كلفة الجرعة إلى ملايين الليرات.
وحذرت شاهين من أن انقطاع الجرعات أو تأخرها قد يؤدي إلى تدهور الحالة، كما أن شراء أدوية من مصادر غير موثوقة يحمل مخاطر إضافية، بينها الحصول على منتجات مجهولة المحتوى أو غير فعالة. وشددت على أن استبدال الدواء الموصوف يجب أن يتم بقرار من الطبيب المعالج حصراً.
ولا تقف المشكلة عند ارتفاع سعر الجرعة؛ فقد تمتد الخطة العلاجية أشهراً إضافية بحسب استجابة الجسم، ما يجعل الكلفة النهائية غير ثابتة ويصعّب على الأسر تقدير ما تحتاج إليه مسبقاً.
العلاج مرتبط بالقدرة على الدفع
تكشف هذه الشهادات فجوة بين الحاجة الطبية والقدرة المادية على تلبيتها. فالمريضة لا تتحمل ثمن الدواء وحده، بل نفقات الفحوص والتنقل والعلاجات المساندة، مع احتمال استمرار العلاج مدة أطول مما كان متوقعاً.
وفي ظل نقص بعض الأدوية وارتفاع أسعار المتاح منها، لا تكفي النصائح بالكشف المبكر أو الالتزام بالعلاج ما لم تتوافر سبل فعلية تضمن الوصول إليهما. وتضع هذه الوقائع مسؤولية تأمين الأدوية الأساسية وتوسيع الدعم العلاجي أمام الجهات الصحية، لأن ترك الأسر تواجه الفاتورة منفردة قد يحوّل المرض إلى أزمة مالية تهدد استمرارية العلاج نفسه.
اقرأ أيضاً: مرضى السرطان في سوريا بين عناء العلاج وتكاليف السفر والإقامة في دمشق