تمدّد سريع وأزمات تتدحرج.. هل أخطأت الحكومة الانتقالية بدخول شرق الفرات؟
داما بوست -يوسف المصري
شكّل دخول قوات الحكومة السورية الانتقالية إلى مناطق شرق الفرات خلال الشهر الماضي تحوّلاً سياسياً وعسكرياً لافتاً، بعدما انقلبت قوات عشائرية على “قسد” وانشقت عنها، ما مهّد لسيطرة الحكومة على محافظتي دير الزور والرقة بالكامل، ولم يتبقَّ تحت سيطرة “قسد” سوى عين العرب (كوباني) بريف حلب الشرقي وأجزاء من محافظة الحسكة.
وفي 30 من الشهر الماضي، أُعلن عن اتفاق بين الجانبين يقضي بدمج “قسد” ضمن مؤسسات الحكومة الانتقالية، مع ترشيح شخصيات منها لتسلّم مناصب رسمية، أبرزها محافظ الحسكة ونائب وزير الدفاع. بدا المشهد، في ظاهره، وكأنه نهاية لسنوات من الانقسام العسكري والإداري شرق البلاد، وبداية لمرحلة توحيد المؤسسات. لكن التطورات اللاحقة فتحت باباً واسعاً من التساؤلات: هل كان التوقيت مناسباً؟ وهل كانت الحكومة مستعدة لتحمّل كلفة هذا التمدد؟
النفط… من ورقة قوة إلى عبء اقتصادي:
أحد أبرز دوافع دخول شرق الفرات كان استعادة السيطرة على حقول النفط، بوصفها مورداً استراتيجياً قادراً – نظرياً – على دعم الخزينة العامة. غير أن الواقع كان أكثر تعقيداً.
فبعد استلام الحقول، أصدرت الحكومة قراراً بإيقاف عمل “الحراقات” البدائية التي كان يعتمد عليها آلاف السكان في تكرير النفط بطرق تقليدية. القرار، الذي يمكن تبريره بيئياً وصحياً، فجّر احتجاجات لعشرات العاملين الذين فقدوا مصدر رزقهم بين ليلة وضحاها، في منطقة تعاني أصلاً من هشاشة اقتصادية وبطالة مرتفعة.
وزاد من حدة الجدل تصريح مسؤولين بأن إعادة تأهيل قطاع النفط تحتاج إلى ثلاث سنوات لاستئناف الإنتاج بشكل فعّال. وهنا تحوّل السؤال من “من يسيطر على النفط؟” إلى “من يستطيع تشغيله؟”. فالمورد الذي رُوّج له كرافعة اقتصادية عاجلة، بات مشروعاً مؤجلاً، فيما الأعباء المعيشية آنية ومتراكمة.
أزمات اجتماعية مؤجلة انفجرت دفعة واحدة:
لم تقتصر التداعيات على ملف النفط. فبعد تثبيت السيطرة الإدارية، خرج معلمون في مظاهرات للمطالبة بتثبيتهم وظيفياً، كما طالب الأهالي بتحسين الخدمات الأساسية من كهرباء ومياه ورواتب. هذه المطالب لم تكن جديدة، لكنها كانت سابقاً ضمن مسؤولية “قسد” وإدارتها الذاتية. ومع انتقال السلطة، انتقلت معها كل التحديات.
هكذا وجدت الحكومة الانتقالية نفسها أمام ملف ثقيل أضيف إلى ملفات قائمة في الساحل والسويداء ودمشق ومناطق أخرى. شرق الفرات ليس مجرد مساحة جغرافية، بل منطقة ذات تركيبة قبلية واجتماعية حساسة، واقتصاد مشوّه بفعل الحرب والعقوبات، وبنية خدمية متهالكة. السيطرة العسكرية السريعة لم تترافق – وفق الوقائع الميدانية – مع خطة خدمية واقتصادية واضحة لامتصاص الصدمة.
دمج “قسد”: تسوية سياسية أم إعادة توزيع نفوذ؟
الاتفاق الموقّع في 30 من الشهر الماضي، والذي نص على دمج “قسد” في مؤسسات الحكومة وترشيح شخصيات منها لمناصب رسمية، قُرئ على أنه خطوة نحو توحيد البلاد وإنهاء ازدواجية السلاح. غير أن نجاح مثل هذه الترتيبات لا يُقاس بتوقيع الاتفاقات، بل بقدرتها على الصمود اجتماعياً وأمنياً.
فالمنطقة ما تزال تحمل إرثاً من الانقسامات والتوترات المحلية، والانشقاق العشائري الذي مهّد لدخول الحكومة قد يتحوّل بدوره إلى مصدر احتكاكات جديدة إذا لم يُضبط ضمن إطار سياسي واجتماعي جامع. ومع كل احتجاج مطلبي، يبرز اختبار جديد لمدى قدرة الإدارة الجديدة على احتواء الشارع.
بين المكسب الاستراتيجي والكلفة الواقعية:
أنصار خطوة الدخول يرون فيها استعادة لسيادة الدولة على أهم مناطق الثروة، وإنهاءً لواقع التقسيم غير المعلن. أما المنتقدون فيحذرون من أن التمدد في جغرافيا غير مستقرة أمنياً وخدمياً قد يفتح أبواباً يصعب إغلاقها، خاصة في ظل محدودية الموارد وضعف القدرة على الاستجابة السريعة للمطالب المعيشية.
السؤال الجوهري لا يتعلق بشرعية الدخول بقدر ما يتعلق بجاهزية ما بعد الدخول. فإدارة منطقة بحجم وتعقيد شرق الفرات تتطلب رؤية اقتصادية واضحة، وحلولاً انتقالية للعاملين في القطاعات غير النظامية، وضمانات للخدمات الأساسية، إضافة إلى معالجة حساسة للملف القبلي والاجتماعي.
حتى الآن، تبدو الحكومة أمام اختبار ثقيل: هل تستطيع تحويل السيطرة العسكرية إلى استقرار فعلي وتحسن معيشي ملموس؟ أم أن شرق الفرات سيغدو عبئاً إضافياً على كاهل إدارة مثقلة أصلاً بالأزمات؟
إقرأ أيضاً: وزارة الطاقة: تأهيل حقول النفط في شرقي سوريا قد يستغرق نحو ثلاث سنوات
إقرأ أيضاً: تصاعد الاضطراب الأمني في دير الزور: حرائق آبار نفط وإفراج مثير للجدل يعيدان أسئلة الاستقرار والعدالة