عام على غياب الخدمة الإلزامية في سوريا: تحرر من الخوف أم انتقال إلى قلق جديد؟

بعد مرور عام على اختفاء الخدمة الإلزامية في الجيش السوري من الحياة اليومية للشباب، تغيّرت الأسئلة التي كانت تلاحقهم لسنوات. لم يعد الاستفسار المعتاد يدور حول مواعيد التأجيل أو طرق تفادي الاستدعاء، بل حلّت مكانه تساؤلات أوسع وأكثر إرباكًا تتعلق بالعمل والاستقرار والمستقبل. فبينما تراجع الخوف القديم، برزت هموم جديدة لا تقل ثقلًا، لكنها بلا عناوين واضحة أو مواعيد مؤجلة.

لسنوات طويلة، شكّل الجيش محورًا أساسيًا في قرارات الشباب، إذ تحوّل إلى سبب لتأجيل الدراسة، وتعليق خطط العمل، وحتى تجميد التفكير بالمستقبل. ومع زوال هذا العامل، وجد كثيرون أنفسهم في مواجهة مباشرة مع واقع لم يتهيأوا له، بعدما كانت حياتهم مرتبة حول “تفادي الخدمة” أكثر من بنائها على مسار فعلي.

من عبء الخدمة إلى أسئلة المعيشة

في الواقع المستجد، تراجع حضور الجيش كهاجس يومي، لكن مكانه امتلأ بأسئلة أكثر تعقيدًا: ماذا بعد التخرج؟ كيف يمكن تأمين فرصة عمل؟ ومن يضمن الاستقرار في ظل سوق عمل محدود وإمكانات ضعيفة؟

يقول كريم سوار، وهو طالب سابق في كلية التجارة، إن غياب الخدمة الإلزامية أزال ضغطًا نفسيًا كبيرًا، لكنه في الوقت ذاته كشف فراغًا لم يكن متوقعًا. ويوضح أنه كان يخطط لتأجيل إضافي في دراسته، لا بسبب التعثر الأكاديمي، بل للهروب من الاستدعاء، قبل أن يجد نفسه فجأة من دون هذه الذريعة، ما دفعه إلى إنهاء مواده والتخرج.

غير أن التخرج، كما يروي، لم يكن نهاية القلق بل بدايته. فالبحث عن عمل كشف واقعًا مختلفًا، حيث تشترط معظم الفرص خبرة لسنوات، في وقت يفتقر فيه الخريجون الجدد لأي تجربة عملية. بالنسبة له، انتقل القلق من الخوف من الخدمة العسكرية إلى الخوف من البطالة والفراغ.

بالنسبة لكثير من الشباب، لم تكن الجامعة هدفًا علميًا بقدر ما كانت مساحة آمنة للهروب من الاستدعاء. ومع اختفاء هذا الخطر، تحولت هذه المساحة إلى طريق مسدود.

عباس كواكي، خريج أدب إنكليزي، يقول إن الدراسة فقدت معناها السابق، فبعد التخرج باتت الشهادة وحدها غير كافية في سوق عمل قاسٍ، في ظل صعوبات السفر وضيق الفرص. ويصف شعورًا عامًا بين أصدقائه بأن الحياة بدأت فجأة، من دون مقدمات أو استعداد نفسي.

حرية بلا ضمانات

في المقابل، يرى بعض الشباب أن غياب الخدمة الإلزامية أعاد إليهم القدرة على اتخاذ القرار، ولو ترافق ذلك مع عبء نفسي جديد. سامر حبّار، خريج هندسة، يقول إن الشعور بالراحة موجود، لكنّه غير مكتمل، إذ لم يعد بالإمكان تأجيل القرارات تحت ذريعة الخدمة أو ما بعدها.

ويشير حبّار إلى أن هذه الحرية كشفت فراغًا في السياسات الموجهة لدعم الشباب، معتبرًا أن إزالة عبء الخدمة لم تترافق مع بدائل حقيقية، مثل برامج تدريب أو فرص عمل أو خطط واضحة لدمج الخريجين في سوق العمل.

تحول في طبيعة القلق

يرى مختصون اجتماعيون أن التحول الأعمق لا يكمن في غياب الخدمة الإلزامية بحد ذاتها، بل في غياب البدائل. فالشباب الذين اعتادوا على بناء قراراتهم على مبدأ التأجيل وجدوا أنفسهم فجأة مطالبين بالمواجهة.

الدكتور فهد جابر، أخصائي نفسي واجتماعي، يوضح أن الخدمة الإلزامية كانت “حجة جماعية” تبرر تأجيل الخطوات المصيرية، ومع سقوطها بقي القلق معلقًا بلا اسم واضح. ويشير إلى أن الشباب انتقلوا من تأجيل قسري إلى مواجهة مباشرة مع واقع اقتصادي واجتماعي غير مهيأ لهم، في ظل غياب الدعم والمسارات الواضحة.

ويؤكد جابر أن انتقال الهموم من العسكري إلى المعيشي خلق حالة ارتباك واسعة، خاصة لدى الخريجين الجدد، حيث تغيّر شكل القلق دون أن يتغير جوهره.

اليوم، يعيش كثير من الشباب عامًا من الحرية من دون خدمة إلزامية، لكنهم في المقابل يواجهون تحديات جديدة تتعلق بالعمل والاستقرار وإثبات الذات في سوق شديد القسوة. لم تعد الحياة مؤجلة، لكنها أيضًا لم تصبح أسهل، وبين راحة مؤقتة وقلق دائم، تتكشف أسئلة كانت مؤجلة لسنوات وظهرت دفعة واحدة مع غياب الجيش.

اقرأ أيضاً:حليب الأطفال في سوريا… ضرورة تتحول إلى عبء ثقيل في ظل الأزمة المعيشية

حساباتنا: فيسبوك  تلغرام يوتيوب تويتر انستغرام

المزيد ايضا..
اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.