العملة الجديدة: بين تطمينات رسمية وقلق شعبي من انعكاسها على الأسعار

مع بدء تداول العملة السورية الجديدة في الأسواق، يتفاعل الشارع السوري مع الخطوة بحذر واضح، رغم تأكيد مصرف سورية المركزي أن الإجراء يندرج في إطار تنظيمي بحت، ولن يترك أي أثر على الأسعار أو القوة الشرائية. وبينما يرى بعض المواطنين في العملة الجديدة إشارة رمزية على مرحلة مختلفة، يخشى آخرون أن تتحول إلى ذريعة إضافية لرفع الأسعار في ظل واقع معيشي ضاغط.

ويأتي طرح العملة الجديدة في وقت يعاني فيه السوريون من تراجع مستمر في القدرة الشرائية وارتفاع متواصل في تكاليف المعيشة، ما يجعل أي تغيير نقدي محل تشكيك، خاصة مع تجارب سابقة رافقت قرارات مشابهة وأسفرت عن موجات غلاء غير معلنة، تحمّل المواطن تبعاتها دون أدوات حماية فعالة.

ارتباك في السوق مع التجربة الأولى

منذ بدء التداول، رصد مواطنون تفاوتًا في طريقة التعامل مع العملة الجديدة، سواء لناحية قبولها أو احتساب أسعار السلع على أساسها، في ظل غياب آلية واضحة توحد بين القيم القديمة والجديدة. هذا الواقع انعكس ارتباكًا في عمليات الشراء اليومية، وفتح الباب أمام اجتهادات فردية في التسعير.

ولا تزال العديد من المحال تعتمد التسعير الشفهي، مع استخدام العملة الجديدة في الإعلانات أو العروض الترويجية، دون توضيح دقيق لقيمتها مقارنة بالعملة السابقة، ما يخلق مساحة للتخمين والاستغلال.

سلمان جنيد، شاب من دمشق، يقول إن العملة الجديدة “شكلها مريح وتعطي إحساسًا بالتغيير”، لكنه يشير في حديثه إلى أن بعض المحال استغلت المرحلة الانتقالية. ويوضح أن أسعار بعض المنتجات، مثل المشروبات أو الملابس، عُرضت بقيم أعلى عند تحويلها إلى العملة الجديدة، مقارنة بسعرها السابق، معتبرًا أن الأمر يحتاج إلى وقت كي يعتاد الناس على التعامل معها.

من جهتها، ترى ريم صقر، وهي موظفة من دمشق، أن تصميم العملة وألوانها أوضح وأسهل في الحساب، لكنها تصف تجربة التسوق الأولى بأنها “غير مريحة”، بسبب اختلاف الأسعار من محل إلى آخر، وغياب تسعير ثابت، ما شجع بعض التجار على الاستفادة من حالة الالتباس.

التجار بين صعوبة المرحلة واستغلال الفراغ الرقابي

في المقابل، يبرر بعض أصحاب المحال هذا الارتباك بكون السوق يعيش مرحلة انتقالية، مع تداول العملتين القديمة والجديدة في الوقت نفسه، وغياب تعليمات تنفيذية واضحة للتسعير.

فراس عمران، صاحب محل ألبسة في دمشق، يقول إن التجار، مثل الزبائن، ما زالوا يتعلمون كيفية التعامل مع العملة الجديدة، لكنه يعترف بوجود حالات استغلال تسيء إلى السوق ككل. ويضيف أن ضعف الرقابة يجعل من السهل التلاعب بالأسعار تحت ذريعة “تحويل العملة”.

تطمينات رسمية وفجوة مع الواقع

وكان مصرف سورية المركزي قد أكد في تصريحات سابقة أن طرح العملة الجديدة يأتي ضمن خطة تنظيمية تهدف إلى تسهيل التداول النقدي، مشددًا على أنها مكافئة من حيث القيمة للعملة المتداولة سابقًا، ولن تؤدي إلى تضخم أو ارتفاع في الأسعار. كما أشار إلى أن التداول سيتم بشكل تدريجي، مع الاستمرار باستخدام العملة القديمة، لتجنب أي اضطراب في السوق.

ورغم هذه التطمينات، لا تزال الفجوة قائمة بين الخطاب الرسمي وما يلمسه المواطنون في الأسواق، حيث يطغى الشعور بعدم اليقين على التجربة الأولى للتعامل مع العملة الجديدة.

في هذا السياق، يرى الخبير الاقتصادي الدكتور عمار يوسف أن العملة الجديدة بحد ذاتها لا تشكل إصلاحًا اقتصاديًا، محذرًا من تحميلها ما يفوق دورها الحقيقي. ويؤكد أن أي عملة، بغض النظر عن شكلها، لا يمكن أن تضبط السوق في ظل فوضى التسعير، معتبرًا أن الخطر يكمن في استخدامها كغطاء نفسي لرفع الأسعار. ويضيف أن غياب الشفافية والتدخل الرقابي الحازم سيجعل من العملة الجديدة مجرد “شكل مختلف للمشكلة نفسها”.

شكاوى من آليات الاستبدال

إلى جانب ارتباك السوق، يشتكي مواطنون من شروط استبدال العملة، حيث يشترط حد أدنى للمبلغ، وتنظيم الأوراق، وتصوير الهوية، فضلًا عن الازدحام وطول فترات الانتظار.

أحمد الصايغ، من دمشق، يروي تجربة استبداله للعملة، مشيرًا إلى أنه انتظر لساعات قبل إتمام العملية، ليقع لاحقًا في خطأ عند دفع أجرة سيارة أجرة بسبب الالتباس في القيم، ما كبده مبلغًا أعلى دون تنبيه من السائق.

اختبار للثقة قبل الاقتصاد

وسط هذه المعطيات، يجد السوريون أنفسهم مرة أخرى أمام اختبار جديد لثقتهم بالسوق والقرارات الاقتصادية. فبين الوعود الرسمية بالاستقرار والتنظيم، وتجربة يومية مشوبة بالشكوك والاستغلال، تبقى العملة الجديدة خطوة رمزية ثقيلة، لا تتوقف نتائجها على شكلها أو ألوانها، بل على قدرة الجهات المعنية على ضبط السوق وحماية المستهلك في مرحلة شديدة الحساسية.

اقرأ أيضاً:المركزي السوري يبدأ غداً تزويد المصارف بالسيولة اللازمة لاستبدال العملة

حساباتنا: فيسبوك  تلغرام يوتيوب تويتر انستغرام

المزيد ايضا..
اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.