أخلاقيات الحرب المفقودة: هل باتت الهوية مبرراً للانتهاك في سوريا؟

تتصاعد المخاوف الحقوقية والدولية إزاء تكرار الانتهاكات الجسيمة داخل سوريا، والتي كان آخرها المشاهد القاسية القادمة من حي “الشيخ مقصود” في حلب.

هذه الوقائع، التي شملت التمثيل بالجثث والاعتقالات التعسفية، لم تكن مجرد أحداث عابرة، بل أعادت فتح ملف الالتزام بالقانون الدولي الإنساني وفجوة “الثقة” بين التصريحات الرسمية والممارسات الميدانية.

فجوة بين “الوعود” والواقع الميداني

رغم إعلان الحكومة السورية الانتقالية في مناسبات عدة التزامها بقواعد السلوك العسكري وحماية المدنيين، إلا أن الأحداث الأخيرة في حلب، وقبلها في السويداء والساحل، كشفت عن تباين حاد بين الخطاب السياسي والواقع على الأرض.

ويرى مراقبون أن غياب آليات المحاسبة الصارمة يسمح بتكرار مشاهد العنف التي تطال كرامة الأحياء والأموات على حد سواء.

إهانة الجثث: جريمة حرب لا تسقط بالتقادم

أثار مقطع فيديو يُظهر إلقاء جثة امرأة من طابق علوي في حي الشيخ مقصود موجة استنكار واسعة.

وفي هذا الصدد، شدد الباحث السوري محمد حبش على أن إهانة جثة الميت مؤشر خطير على عدم الأمان لكرامة الحي، مؤكداً أن قتل المدنيين وتعذيب الأسرى وتشويه الجثث تندرج جميعها تحت بند “جرائم الحرب” في القانون الدولي.

من جانبه، أوضح الناشط الحقوقي محمد العبدالله المرجعية القانونية لهذه الانتهاكات، مشيراً إلى أن اتفاقيات جنيف الأربع والبروتوكولات الملحقة بها تفرض احترام حرمة الموتى (سواء كانوا مدنيين أو مقاتلين).

واعتبر أن ما جرى من سحل وتمثيل بالجثث في حلب قد يرتقي إلى مصاف الجرائم ضد الإنسانية.

تعقيدات الهوية وتسييس المعاناة

في قراءة للمشهد المجتمعي، أشار الصحفي سيف عزام إلى أن “الهوية” باتت جزءاً من تعقيد الأزمة، حيث يخضع التضامن مع الضحايا أحياناً لاعتبارات عرقية أو طائفية، محذراً من حالة “تطبيع” العنف بناءً على خلفية الضحية أو الجاني. وفي سياق متصل، دعا الصحفي مروان فرزات إلى ضرورة إخضاع المقاتلين لتدريبات “أخلاقية” مكثفة، محذراً من أن الانتهاكات الفردية قد تنسف التضحيات العسكرية وتشوه صورة القوى المسيطرة.

مخاوف من “تطهير عرقي” ودعوات دولية للتدخل

نقلت مؤسسة “إيزدينا” تقارير مقلقة حول اعتقالات تعسفية وإجبار مدنيين على ترديد شعارات دينية تحت الإكراه، واصفة هذه الممارسات بأنها تنذر بوقوع “إبادة ممنهجة” تستهدف المكونات العرقية والدينية في حلب (الكرد، الإيزيديين، والمسيحيين).

ووجهت المؤسسة نداءً للمجتمع الدولي للتدخل الفوري ومنع تكرار سيناريوهات مأساوية سابقة.

ردود “قسد” واتفاقات وقف التصعيد

في المقابل، وصفت قوات سوريا الديمقراطية (قسد) ما جرى في الشيخ مقصود بـ”الهجوم الوحشي” الرامي لتغيير التركيبة الديمغرافية.

وأكدت في بيانها أن المقاومة كانت الخيار الوحيد للدفاع عن الأحياء، متهمة الفصائل التابعة للحكومة الانتقالية باختطاف مدنيين وتقديمهم كأسرى حرب لتزوير الحقائق.

وفي تطور لاحق، أعلن قائد “قسد” مظلوم عبدي عن الوصول إلى تفاهم بوساطة دولية يقضي بوقف إطلاق النار وتأمين خروج الجرحى والمدنيين والمقاتلين باتجاه شمال وشرق سوريا، داعياً الأطراف الدولية لضمان الالتزام بالوعود ومنع استمرار الانتهاكات.

يبقى التساؤل القائم في الشارع السوري: هل ستؤدي هذه التفاهمات إلى محاسبة حقيقية للجناة، أم ستظل حقوق الضحايا رهينة التوازنات السياسية والميدانية؟

 

اقرأ أيضاً:إعدام ميداني لصيدلي وفني داخل مشفى عثمان بحلب على يد قوات الحكومة الانتقالية

اقرأ أيضاً:تصعيد بين قسد وفصائل وزارة الدفاع في دير الزور وحلب والرقة

حساباتنا: فيسبوك  تلغرام يوتيوب تويتر انستغرام

المزيد ايضا..
اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.