“هكذا التقيت البغدادي”.. أبناء الموصل يستذكرون ليلة السقوط في ذكرى التحرير

داما بوست | الهام عبيد

 

جارة دجلة من الجهة الغربية ترافقه على مسافة أربعة كيلومترات تقريباً. على ضفاف أزقتها الضيقة منازل أثرية تُخبّئ بين جدرانها تاريخ مئات السنين، وقصص عائلات أصيلة من مسيحيين ومسلمين، ومزيج خلاق من الكرد والعرب والتركمان والآشوريين والشركس والأرمن والسريان. في جزئها القديم وحده 365 معلماً تاريخياً وحضارياً من مختلف العصور والديانات، وسورها معبرٌ لمحتويات المدينة من مساجد وكنائس وأبواب شهيرة، وقلعتها “باشطابيا” كحارس لم تنم عينه إلا ليلة واحدة فسقطت المدينة.

 

ليلة السقوط:

“كنت طالباً جامعياً وبينما أحضّر لامتحانات المرحلة الأولى على شرفة المنزل اخترق صوت إطلاق النار هدوء تلك الليلة” يقول إحسان الهاجري لـ “داما بوست ويضيف.. “عندما صار الصباح تغطت المدينة بالرايات السوداء، اكتشفنا أنه “داعش” التنظيم الإرهابي طامس الهويات”.

ويتابع الهاجري.. “باتت أيامنا عبارة عن سيارة مفخخة هنا واشتباك مسلح هناك، ودُمرت البنى التحتية من منازل ومستشفيات ومجسرات ومحطات مياه وكهرباء وشبكات نقلهما، إضافة إلى مقار الدوائر الحكومية، حتى مطار الموصل دُمّر، وقضى معه آلاف الشهداء”.

“محاطة بالضبابية” بهذه الكلمات وصف الصحفي العراقي “أحمد شبر” ليلة السقوط خلال حديث لـ “داما بوست” مبيناً أن القوات العراقية تراجعت من مناطق عدة قبل أن تنسحب بشكل كامل، ما أدى إلى تقدّم “داعش” شرق الموصل وسيطرته على منطقة الحويجة، وبعدها الزاب والرياض والعباسي غرب كركوك، وناحية الرشاد وقرية ينكجة في الجنوب، وهكذا إلى أن سقطت المدينة فجر الثامن من حزيران / يونيو.

“تحولت المدينة إلى أرض محروقة” يتابع شبر.. “كانت الموصل ساحة تصفية حسابات بين الداخل نفسه، وبين الخارج بأصله وبالنيابة عنه، وظهرت جهات معارضة معادية للحكم القائم كنوع من الآثار السياسية التي خلفها التنظيم الإرهابي، أما تاريخياً فضاع الموروث الثقافي والإرث الإنساني وتغيرت معالم المدينة، فلم يبقَ للمسلمين والمسيحيين أبنية ولا مساجد ولا كنائس، وآثار المدينة التي نجت من التدمير سُرقت”.

وعن الآثار الاجتماعية، تحدث الصحفي عن هجرة أهالي المدينة ونزوحهم بعد الاستيلاء على مقتنياتهم وأراضيهم، وتفكك آلاف الأسر بين مخطوف وقتيل فضلاً عمّن انضم إلى التنظيم، قائلاً  “لقد أشعلوا الروح القتالية والنزعة الطائفية وأضاعوا الهوية”.

“غاب الربيع عن أم الربيعين” بهذه الكلمات ابتدأ مؤذن جامع النوري الكبير “عماد الحيالي” روايته لــ “داما بوست” عن الأيام العصيبة التي عاشتها الموصل عقب دخول التنظيم الإرهابي إليها من قلة الماء والغذاء والكهرباء، وانتشار الخوف والرعب من أشكالهم أولاً وممارساتهم ثانياً، وسيطروا على مفاتيح الجوامع والكنائس لتخدم مخططاتهم.

يذكر “الحيالي” لداما بوست أنه التقى “أبو بكر البغدادي” الإرهابي الذي تزعم التنظيم خلال فترة احتلاله للموصل.. “كنا نتحضر لصلاة الجمعة في جامع النوري قبل أن تدخل علينا قوات تجمع جنسيات كثيرة، بقينا تحت حصارهم لأكثر من 5 ساعات، قبل أن يطلّ علينا شخصٌ يكتسيه السواد ليعتلي المنبر ويعلن عن دولة خلافته، وسط تحضير إعلامي كبير ووسائل متطورة من بث مباشر وكاميرات”.

ويضيف.. “مساء يوم الأربعاء عام 2017 فجرّ “داعش” الجامع والمنارة الشهيرة ببراميل متفجرة، كنا في منازلنا ولم نعلم حتى اليوم التالي بسبب انقطاع الاتصالات والقصف العنيف، ما تسبب لنا بصدمة كبيرة، لما للجامع من مكانة دينية وتاريخية واجتماعية” وقمنا ببناء برج ووضعنا مكبرات للصوت كي يبقى آذانناً الذي نعتاد عليه”.

 

الدخان الأبيض بعد ليالي الظلام:

في العاشر من تموز عام 2017، أعلن رئيس الوزراء الأسبق “حيدر العبادي” تحرير مدينة الموصل من تنظيم “داعش” الإرهابي، ليتضح بعدها حجم الخراب الذي لحق بها، أكثر من 11 ألف وحدة سكنية تضررت أو سويت بالأرض سيما في المدينة القديمة، وكله لا يقارن برأي أبنائها أمام 40 ألف شهيداً من مدنيين وعسكريين، وآلاف القلوب المحروقة الغافلة عن مصير أفراد عائلاتها بعدما كُشِف مُذّاك عن 98 مقبرة جماعية.

المحلل السياسي العراقي “جاسم الموسوي” وصف المدينة لــ “داما بوست” بأنها “قبرُ ما يسمى دولة الخلافة”.. مضيفاً “تحرير الموصل ليست نصر عسكري وحسب، بل هي قبر “داعش” وشعاراته التي أوهم بها الكثيرين قبل أن تُكتشف حقيقته ونواياه، وبعودة المدينة عادت اللحمة الوطنية، وتضافرت الجهود بين الحكومة والمجتمع الأهلي لإعادة الإعمار وإن كان المبذول دون الطموح”.

وبدوره السياسي المستقل حيدر رشيد يؤكد لــ “داما بوست أن ما سقط من دماء في جميع المحافظات العراقية يجب أن يحاسب عليه مسببه سواء من الداخل أو من الخارج، مستذكراً حادثة طلب العراق من الولايات المتحدة الأمريكية تنفيذ المعاهدة الاستراتيجية التي تربطهما بخصوص تجهيز العتاد والسلاح والمساعدة، ورفض الأخيرة بحجة أنه لا يتوفر لديها ذلك قبل عام 2021، وأضاف.. عندها تدخلت الجمهورية الإسلامية الإيرانية والعلماء المراجع سيما السيد علي السيستاني، الذي أطلق فتوى “الجهاد الكفائي” وتلبية لها انخرط أكثر من 4 مليون متطوع عراقي مع الجيش ما ساهم في تحرير العراق.

 

وفاء الدَّين:

“دماء الشهداء دين في رقابنا” يقول رئيس وسفير مؤسسة تراث الموصل “أيوب زنون” لــ “داما بوست” مؤكداً أن ما افتعله تنظيم “داعش” الإرهابي، من تفجير للمواقع الأثرية والتاريخية طَمَسَ معالم المدينة، لكننا اليوم أمام مرحلة جديدة لإحياء “روح الموصل” المبادرة التي أطلقتها منظمة “اليونسكو” بهدف إعادة الترميم.

وأضاف… “التعويل اليوم على الجيل الجديد في الحفاظ على ما تبقى، وسط تباطؤ الجهات الحكومية في إعادة الإعمار، ومن هنا انطلقت مؤسستنا فرممنا متحف الموصل الحضاري والمقرر إعادة افتتاحه في عام 2026، وهناك أيضا مشروع ترميم كنيسة الساعة وكنيسة الطاهرة التي يبلغ عمرها 800 عام، على أن تكتمل بحلول نهاية عام 2023، فضلاً عن المنازل التراثية والمساجد بالاتفاق مع المجتمع المدني.

وتابع.. “عملنا على البعد الثقافي من خلال تأسيس المراكز والمتاحف، وإقامة الفعاليات عبر فرق تطوعية لعبت دورها حسب المرحلة، خاضت قبل التحرير مجالات الإغاثة، وبعده التنمية والترميم وفتح فرص عمل ومصادر رزق للعائلات المضرورة”.

 

الإعمار بين التباطؤ والإنجاز

وعن جدية الإعمار يوضح سكان المدينة، أن العملية تسير ببطء رغم المحاولات الحكومية لإعادة بناء البنية التحتية وتعبيد الطرقات، فيما ينهمك المجتمع المحلي ومنظمات المجتمع المدني بإعادة إعمار المنازل والأماكن التراثية والمواقع الأثرية، ويتكفل القطاع الخاص بإعادة ترميم المنشآت التجارية.

ورغم ترحيل الحكومة لأكثر من أربعة ملايين طن من الأنقاض، إلا أن الدمار ما يزال حتى يومنا هذا وبعد ستة سنوات على تحرير الموصل، شاهداً في أحياء المدينة القديمة الأكثر تدميراً طيلة سنوات الحرب.

ويرى إحسان الهاجري طالب الجامعة الذي أصبح صحفياً أن “شكل الموصل بات أفضل من حيث الأمان والإعمار، وتكاتفت جهود الجميع للنهوض بواقع المدينة الاستراتيجية ووصلت لمرحلة جيدة على كافة المستويات إلا القطاع الصحي”.

ويؤكد كلامه ابن الموصل المخرج “حسان غلاوي” قائلاً لــ “داما بوست” تحتاج المدينة إلى خمس سنوات على الأقل لتستعيد عافيتها بالكامل وتكون مركزا اقتصاديا كبيراً”، ومن وجهة نظره فإن “مشاريع الإعمار والمخططات التنظيمية الخاصة بالمدينة ستعيدها أفضل مما كانت عليه عام 2014”.

آخر الأخبار
موكيش أمباني.. وحفل زفاف الهند الأسطوري القوات اليمينة تستهدف سفينة صهيونية في بحر العرب الفروج الفاسد يحاول اقتحام الموائد في دمشق وريفها ماذا قال أردوغان عن قضية الحدود مع العراق وإنشاء ممر أمني على طول الحدود السورية؟ إيران تقدم مقترحات لإنشاء نظام مراسلة مالية خاص بـ "بريكس" هوكستاين: أي هدنة بغزة لن تمتد بالضرورة إلى لبنان اليونيسف تحذر من مخاطر استمرار الحرب في غزة على الأطفال هموم الصحفيين مطالب مكررة منذ سنوات.. من يسمعها؟ إقرار مشروع قانون إحداث وزارة الإعلام.. الحلاق: لتحديث وتطوير عملها سوسي لـ داما بوست: "حماية المستهلك" ستتابع الأسعار في شهر رمضان بشكل يومي الجيش الروسي يسقط 81 طائرة أوكرانية ويدمر أبرامز أمريكية "أبراج بريطانية" في لبنان تثير هواجس أمنية سورية .. ما هي التفاصيل ؟ محافظة دمشق تؤكد على تخفيض ساعات التقنين خلال شهر رمضان المبارك "نصف مجنون".. 61% من الأمريكيين يشككون في قدرات بايدن العقلية الحكم بالإعدام على مرشد "الإخوان" وقياديين بالجماعة في مصر جامعة حماة تصدر نتائج امتحان اللغة الأجنبية للقيد بدرجة الماجستير تعرف على نتائج قرعة بطولة غرب آسيا إيران ترفض اعتبار حقل الدرة ملكاً للسعودية والكويت قوات العشائر تواصل استنزاف “قسد” فرض تأدية صلاة الجمعة بالمساجد.. نشاط متزايد لنهج فصائل أنقرة المتطرف شمال حلب وزير الخارجية التركي يتحدث عن التطبيع مع دمشق رصد أعداد كبيرة من الأمراض المعدية في غزة.. ومفاوضات القاهرة تستأنف اليوم ما تأثير تضرر كابلات الإنترنت بالبحر الأحمر على الشرق الأوسط؟ منحة من الصين.. 100 جهاز طاقة بديلة لإنارة ساحة العباسيين السوريون يحتلون المركز الأول بطلبات اللجوء عام 2023