مستقبل الطاقة في سوريا: هل ينجح “أحمد الشرع” في الموازنة بين النفط الروسي والانفتاح الغربي؟

تشهد سوريا في مرحلة ما بعد نظام الأسد تحولات جيوسياسية عميقة يقودها الرئيس الانتقالي أحمد الشرع. ومع سعي الإدارة الجديدة لنيل الشرعية الدولية وفك العزلة، يبرز ملف النفط والغاز كأعقد التحديات التي تواجه دمشق، حيث يظهر تناقض بنيوي بين الرغبة في جذب الاستثمارات الغربية والاضطرار للاعتماد على الإمدادات الروسية.

روسيا المورد الأول للنفط في سوريا: أرقام وحقائق

تشير تقارير تتبع السفن وبيانات السوق لعام 2026 إلى تحول جذري في خريطة إمدادات الطاقة السورية:

  • تصدر المشهد: أصبحت روسيا المورد الرئيسي للنفط الخام بمتوسط 60 ألف برميل يومياً.

  • تراجع الدور الإيراني: حل النفط الروسي محل الإمدادات الإيرانية التي هيمنت لسنوات.

  • فجوة الإنتاج المحلي: يعاني قطاع الطاقة السوري من انهيار في الإنتاج (حوالي 35 ألف برميل يومياً فقط)، بينما تزيد الاحتياجات المحلية عن أربعة أضعاف هذا الرقم.

مفارقة “الشرع”: ضرورة اقتصادية أم ارتهان سياسي لموسكو؟

رغم التوجه السياسي لدمشق نحو الغرب (الولايات المتحدة وأوروبا)، إلا أن الواقع الاقتصادي يفرض مسارات مغايرة.

  1. المرونة البراغماتية: توفر موسكو مرونة في التوريد والسيولة المالية لا تتوفر حالياً في الأسواق العالمية المعقدة.

  2. الضوء الأخضر الأمريكي المؤقت: ساهم قرار وزارة الخزانة الأمريكية (بقيادة سكوت بيسنت) بقبول شراء النفط الروسي “العالق” في تعزيز هذا الاعتماد كإجراء قسري قصير الأجل لتأمين احتياجات السوق المحلية.

  3. تحديات البنية التحتية: غياب الاستقرار الطويل الأمد وضعف التمويل الدولي يعيقان الانفكاك السريع عن شبكات التوريد الروسية.

استكشاف الغاز البحري: “شيفرون” والرهان على الاستثمارات القطرية

في خطوة استراتيجية نحو الاستقلال الطاقوي، وقعت دمشق مذكرات تفاهم في فبراير 2026 لتطوير النفط والغاز البحري:

  • تحالف دولي: دخول شركة “شيفرون” (Chevron) الأمريكية بالشراكة مع “بِوَر إنترناشونال هولدينغ” القطرية لاستكشاف المياه الإقليمية السورية.

  • الأهداف: تعويض العجز في الحقول البرية المتضررة، وجذب رؤوس الأموال الأجنبية في مرحلة إعادة الإعمار.

  • الرسالة السياسية: تقديم سوريا كبيئة استثمارية منفتحة وقابلة للاندماج في الاقتصاد العالمي.

معضلة السيادة وتعدد الشراكات

يرى محللون أن اعتماد دمشق على النفط الروسي يمنح موسكو “نفوذ الضرورة”، مما قد يحد من قدرة الحكومة الانتقالية على اتخاذ قرارات سياسية مستقلة بالكامل.

  • الديون المتراكمة: تشكل الديون لروسيا وإيران أوراق ضغط على القرار السوري.

  • التوترات الإقليمية: تؤثر أحداث مضيق هرمز والحرب في إيران على استقرار خطوط الإمداد، مما يجعل الجغرافيا السورية مرشحة لتلعب دور “ممر بديل للطاقة” بين الشرق والغرب.

الخلاصة:

إن نجاح سوريا في عهد أحمد الشرع في فك تبعيتها الاقتصادية للماضي مرهون بقدرتها على:

  1. تثبيت الاستقرار الأمني لجذب شركات الطاقة الكبرى.

  2. إجراء إصلاحات مؤسساتية وقانونية تضمن حقوق المستثمرين والأقليات.

  3. بناء منظومة طاقة متوازنة تجمع بين الشراكات التقليدية (روسيا) والتحالفات الاستراتيجية الجديدة (قطر، السعودية، والغرب).

إقرأ أيضاً: صراع النفوذ يضرب المؤسسة النفطية: استقالة بدوي وتصاعد التوتر بين أقطاب الحكومة

إقرأ أيضاً: النفط الروسي في سوريا: لماذا تظل دمشق أسيرة إمدادات موسكو بعد سقوط الأسد؟

المزيد ايضا..
اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.