إسرائيل تسعى لفرض حزام أمني جنوب الليطاني: معارك ضارية بالخيام ومناطق أخرى

تتجه المواجهة العسكرية بين إسرائيل وحزب الله اللبناني نحو مرحلة أكثر تعقيداً وخطورة، مع بروز مؤشرات ميدانية تؤكد سعي تل أبيب لترسيخ واقع جغرافي جديد في جنوب لبنان. وتقوم الخطة الإسرائيلية الحالية على إخلاء مساحات واسعة من السكان تمهيداً لإقامة ما تصفه بـ “الحزام الأمني”، في خطوة تهدف إلى إفراغ نحو 10% من مساحة لبنان (المنطقة الواقعة جنوب نهر الليطاني) من الوجود المدني والعسكري للحزب.

استراتيجية “الأرض المحروقة”: شريط عسكري بعمق 7 كيلومترات

وأفادت تقارير ميدانية بأن الجيش الإسرائيلي أصدر إنذارات عاجلة لسكان 83 قرية جنوب الليطاني بالإخلاء الفوري. وبحسب مصادر عسكرية، فقد أنشأت القوات الإسرائيلية بالفعل “شريطاً عسكرياً” بعمق يصل إلى 7 كيلومترات داخل الأراضي اللبنانية، حيث تعمل فيه حالياً 4 فرق عسكرية تضم قوات برية ومدرعات (الفرق 210، 91، 36، و162).

ويهدف هذا التوغل إلى إنشاء “منطقة عازلة” تفصل بين الحدود الدولية ومنصات إطلاق الصواريخ التابعة لحزب الله، وسط دعوات داخل المؤسسة الأمنية الإسرائيلية لتوسيع العمليات وصولاً إلى سهل البقاع شرقي البلاد لتفكيك بنية الحزب العسكرية بالكامل.

على صعيد الاغتيالات، سبق أن أعلن جيش الاحتلال الإسرائيلي رسمياً اغتبال حسن سلامة، قائد وحدة “نصر” التابعة لحزب الله، في غارة جوية دقيقة جنوب لبنان يوم الأحد. ويُعد سلامة من القادة الميدانيين البارزين الذين تولوا قيادة قطاع الخيام وإدارة العمليات ضد المواقع الإسرائيلية، ولكن دون أن يصدر أي تأكيد رسمي من حزب الله.

وفي تطور دبلوماسي، أعلنت طهران مقتل أربعة من دبلوماسييها في غارة إسرائيلية استهدفت “فندق رامادا” في بيروت صباح 8 مارس. ووصف المندوب الدائم لإيران لدى الأمم المتحدة، أمير سعيد إيرفاني، الهجوم بـ “الإرهابي والمتعمد”، محذراً من تداعيات هذا التصعيد على أمن المنطقة، ولكن إسرائيل اعتبرت أنه المستهدفين هم مسؤولون في فيلق القدس التابع للحرس الثوري الإيراني ويتولون مهمات لوجسيتية.

الميدان: كمائن “الخيام” وصواريخ “ألماس”

ميدانياً، لم يكن التوغل الإسرائيلي نزهة عسكرية؛ إذ شهدت بلدة الخيام الاستراتيجية مواجهات هي الأعنف. وأعلن حزب الله عن تنفيذ كمين ثلاثي ضد قوة إسرائيلية متوغلة، مما أدى إلى تدمير 3 دبابات “ميركافا” واستهداف طواقم الإخلاء بصليات صاروخية.

ويرى خبراء عسكريون أن الحزب بدأ باستخدام منظومات متطورة، من بينها صاروخ “ألماس” الموجه، مما كشف عن فجوة في تقديرات الاستخبارات الإسرائيلية حول نوعية السلاح المتبقي لدى الحزب. وتتركز الاشتباكات حالياً في القطاع الأوسط حول بلدة مارون الراس وعيترون، حيث يحاول الجيش الإسرائيلي تثبيت نقاط مراقبة متقدمة.

فاتورة إنسانية باهظة: نزوح 750 ألف لبناني

أدى التصعيد المتواصل منذ بدء العدوان الجديد في 2 مارس/آذار إلى كارثة إنسانية متفاقمة. ووفقاً لبيانات وزارة الصحة ووحدة إدارة مخاطر الكوارث في لبنان:

  • الضحايا: ارتفع عدد الشهداء إلى 570 شخصاً، مع إصابة أكثر من 1440 آخرين، معظمهم من النساء والأطفال.

  • النزوح: تجاوز عدد النازحين حاجز الـ 750 ألف شخص، يتوزع جزء كبير منهم في مراكز الإيواء المكتظة، بينما تعيش آلاف العائلات حالة من التشريد القسري نتيجة الغارات التي طالت بلدات قانا، النبطية، والضاحية الجنوبية، وصولاً إلى منطقة الأوزاعي على أطراف بيروت.


الفجوة بين الخطط والواقع

تواجه إسرائيل معضلة “الحرب على جبهتين”، حيث تتزامن العمليات في لبنان مع مواجهة مفتوحة مع إيران. ويؤكد أن محاور التوغل الإسرائيلية تبدو “مكشوفة” لمقاتلي حزب الله الذين يعتمدون استراتيجية المجموعات الصغيرة والحد الأدنى من التواصل السلكي لتفادي التنصت، مما يجعل الحسم البري بعيد المنال حتى الآن.

بينما تواصل المقاتلات الإسرائيلية رسم أحزمة النار في سماء لبنان، وتستمر صواريخ حزب الله في استهداف “مسكاف عام” و”المطلة”، يبقى المدني اللبناني هو الحلقة الأضعف في صراع إقليمي يتجاوز الجغرافيا المحلية. إن سعي إسرائيل لفرض “واقع ميداني جديد” قد يغرق المنطقة في حرب استنزاف طويلة الأمد، لا تلوح نهايتها في الأفق المنظور.

المزيد ايضا..
اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.