هروب مقاتلي تنظيم “داعش” من سجون شمال شرقي سوريا: الأسباب والتداعيات
أعاد فرار عدد من معتقلي تنظيم “داعش” من سجون شمال شرقي سوريا تسليط الضوء على ملف الاحتجاز في المنطقة، في ظل تحولات أمنية وسياسية متسارعة، واستمرار غياب معالجة دولية شاملة لمصير آلاف المحتجزين.
وبحسب تقرير صادر عن المركز الأوروبي لدراسات مكافحة الإرهاب والاستخبارات (ECCI)، تعكس هذه الحوادث أزمة بنيوية مستمرة في إدارة مراكز الاحتجاز، مع تراجع مستويات الدعم الدولي المخصص لتأمين السجون والمخيمات، وعدم وجود حلول طويلة الأمد لهذا الملف المعقد.
أعداد كبيرة وبنية احتجاز غير مهيأة
يشير التقرير إلى أن سجون ومراكز الاحتجاز في شمال شرقي سوريا، والتي كانت خاضعة سابقاً لإدارة “قوات سوريا الديمقراطية” (قسد)، تُعد من أبرز نقاط الضعف في منظومة مكافحة الإرهاب، نظراً لاحتجاز عشرات الآلاف من عناصر التنظيم المحليين والأجانب ضمن بنى غير مصممة للاحتجاز طويل الأمد.
وتضم المنطقة أكثر من 38 ألف محتجز من عناصر التنظيم، موزعين على أكثر من 20 سجناً ومركز احتجاز، إلى جانب مخيمات رئيسية، أبرزها مخيما “الهول” و“روج” في ريف الحسكة. وتشمل هذه الأعداد مقاتلين أجانب من جنسيات متعددة، إضافة إلى نساء وأطفال من عائلات عناصر التنظيم.
ويوضح التقرير أن غالبية هذه المرافق أُنشئت بشكل طارئ، عبر تحويل مدارس ومبانٍ خدمية ومستودعات إلى مراكز احتجاز، ما أثر سلباً على مستوى التحصين والإدارة الأمنية، خاصة في ظل نقص الكوادر المؤهلة، وغياب إشراف قضائي واضح، وتراجع التمويل الدولي.
حوادث فرار وتضارب في الأرقام
وفي كانون الثاني الماضي، أعلنت وزارة الداخلية السورية فرار نحو 120 معتقلاً من سجن الشدادي، مع استعادة عدد منهم لاحقاً، فيما أشارت مصادر كردية إلى أرقام أعلى.
ويرى المركز الأوروبي أن هذا التضارب في الأرقام يعكس ضعف التنسيق وغياب الشفافية في إدارة ملف السجون، ما يصعّب تقدير حجم المخاطر الأمنية الفعلية.
ويضع التقرير هذه الحادثة في سياق سلسلة من حوادث مماثلة، أبرزها هجوم تنظيم “داعش” على سجن غويران في الحسكة عام 2022، والذي أدى حينها إلى فرار مئات المعتقلين، في واحدة من أكبر العمليات التي نفذها التنظيم بعد فقدانه السيطرة الميدانية.
عوامل تكرار حوادث الفرار
يعزو التقرير تكرار حوادث الفرار إلى عدة أسباب، من بينها تراجع الالتزام الدولي بملف معتقلي التنظيم، ورفض عدد من الدول استعادة رعاياها، إضافة إلى تقليص الدعم اللوجستي والأمني المخصص لإدارة السجون والمخيمات.
كما يشير إلى أن التحولات السياسية والعسكرية التي شهدتها سوريا خلال عامي 2025 و2026 أثرت على قدرة الجهات المسيطرة على ضبط هذا الملف، ما أوجد ثغرات أمنية استغلها التنظيم لإعادة تنشيط خلاياه داخل السجون وفي محيطها.
وجهات محتملة للمعتقلين الفارين
وبحسب تقديرات المركز، اتجه بعض الفارين نحو مناطق البادية السورية والحدود السورية–العراقية، مستفيدين من الطبيعة الجغرافية المفتوحة وصعوبة المراقبة.
وفي المقابل، يحذر التقرير من احتمال سعي مقاتلين أجانب إلى مغادرة المنطقة، سواء بالعودة إلى دولهم الأصلية أو الانتقال إلى بؤر توتر أخرى، مثل ليبيا ومنطقة الساحل الأفريقي وأفغانستان، ما يشكل تهديداً للأمن الإقليمي والدولي في ظل محدودية آليات التتبع العابرة للحدود.
نقل معتقلين إلى العراق
وفي محاولة للحد من المخاطر، أعلنت القيادة المركزية الأميركية نقل دفعات من معتقلي تنظيم “داعش” من سوريا إلى العراق.
ويعتبر المركز الأوروبي أن هذه الخطوة تمثل إجراءً مؤقتاً، محذراً من أن نقل المعتقلين قد ينقل التحديات الأمنية إلى الساحة العراقية، في ظل الاكتظاظ والصعوبات الأمنية داخل السجون هناك.
ويخلص التقرير إلى أن ملف معتقلي تنظيم “داعش” في شمال شرقي سوريا ما يزال يُدار دون استراتيجية شاملة ومستدامة، محذراً من أن استمرار الوضع الحالي قد يرفع من احتمالات إعادة تنشيط التنظيم، سواء عبر هجمات مباشرة أو من خلال إعادة بناء شبكاته الإقليمية والدولية.