نفوق في مداجن سورية يثير الجدل.. بين روايات المربين ونفي الجهات الرسمية
شهدت منصات التواصل الاجتماعي خلال الأسابيع الماضية تداول معلومات وصور تتحدث عن حالات نفوق واسعة في مداجن الدواجن بعدة محافظات سورية، بينها ريف دمشق وحمص وحماة واللاذقية وأجزاء من حلب وإدلب. وربطت بعض المنشورات هذه الحالات بمسميات مرضية شائعة مثل “طاعون الدجاج” أو “النيوكاسل”، ما أثار مخاوف من احتمال وجود أزمة صحية تضرب أحد أبرز قطاعات الأمن الغذائي في البلاد.
وترافقت هذه المعلومات مع مقاطع مصورة لطيور نافقة بكميات كبيرة، ما انعكس قلقاً لدى المربين والمستهلكين على حد سواء، وسط تقارير عن ارتفاعات محدودة في أسعار بعض منتجات الدواجن في أسواق محلية.
خسائر يرويها مربون
عدد من أصحاب المداجن في ريف دمشق تحدثوا عن نسب نفوق مرتفعة، قالوا إنها تجاوزت 60 بالمئة في بعض قطعان الفروج، فيما أشار آخرون إلى تراجع ملحوظ في أعداد الدجاج البياض خلال الأسابيع الماضية. ووفق رواياتهم، فإن الموجة المرضية مستمرة منذ نحو شهر، رغم محاولات التحصين والإجراءات الوقائية المتبعة.
ويرى مربون أن استمرار النفوق يهدد استقرار إنتاجهم، في ظل أوضاع اقتصادية صعبة وتكاليف تشغيل مرتفعة، ما قد ينعكس على الأسعار في حال تراجع العرض في الأسواق.
نفي رسمي وطمأنة صحية
في المقابل، نفت وزارة الزراعة والمؤسسة العامة للدواجن وجود أي تفشٍ وبائي غير اعتيادي. وقال مدير عام المؤسسة، فاضل حاج هاشم، في تصريحات نقلتها وكالة الأنباء الرسمية “سانا”، إن الوضع الصحي للقطعان “مستقر ويقع ضمن الحدود الطبيعية للدورات التربوية”، واصفاً ما يتم تداوله عن انتشار وباء خطير بأنه “معلومات غير دقيقة”.
من جهته، أوضح نقيب الأطباء البيطريين، حسين البلان، أن الأمراض التي يُشار إليها، مثل “النيوكاسل” و”الجمبورو” أو التهاب الكبد الفيروسي لدى الدواجن، هي أمراض تصيب الطيور حصراً ولا تنتقل إلى الإنسان. وأضاف أن السلالات المعروفة من إنفلونزا الطيور، وهي المرض المشترك الأبرز بين الإنسان والدواجن، لم تُسجل في المخابر السورية حتى الآن، مؤكداً أن استهلاك لحوم الدواجن المطهية بشكل جيد لا يشكل خطراً صحياً.
تحذير مُلغى يثير التساؤلات
أثار الجدل منحى إضافياً بعد أن نشرت وزارة الطوارئ وإدارة الكوارث، أمس الاثنين، تحذيراً صحياً حول مرض أُشير إليه باسم “طاعون الدجاج”، تضمن إرشادات وقائية تتعلق بآلية التعامل مع لحوم الدواجن وضرورة الطهي الجيد وفصل أدوات التقطيع.
غير أن الوزارة حذفت البيان بعد نحو ساعتين، موضحة أن الأمر نتج عن “لبس في المعلومات”، وأن التحذير يُعد لاغياً. ولم تصدر وزارة الصحة بياناً موازياً حول الموضوع، ما ترك المجال مفتوحاً أمام تفسيرات متعددة حول طبيعة ما جرى، بين من اعتبره خطأً إدارياً، ومن رأى فيه مؤشراً إلى ارتباك في إدارة الملف إعلامياً.
موقف اتحاد غرف الزراعة
بدوره، أكد رئيس لجنة مربي الدواجن في اتحاد غرف الزراعة السورية، نزار سعد الدين، أن الجولات الفنية على المداجن أظهرت أن الوضع تحت الرقابة البيطرية، مشيراً إلى أن ما يجري لا يخرج عن إطار الأمراض الموسمية المعتادة في قطاع الدواجن.
وشدد سعد الدين على أهمية التمييز بين المنتج المحلي الطازج الخاضع للرقابة البيطرية، وبين بعض المنتجات المجمدة مجهولة المصدر التي قد لا تراعي شروط التخزين والنقل السليمين. واعتبر أن تداول معلومات غير دقيقة قد يربك السوق ويدفع المستهلكين إلى خيارات أقل أماناً من حيث شروط الحفظ.
كما أشار إلى أن منظمة الصحة العالمية لم تصنف الوضع في سوريا على أنه جائحة أو أزمة صحية عامة، معتبراً أن استخدام توصيف “الطاعون” يعكس حجم القلق لدى المربين أكثر مما يعكس توصيفاً علمياً دقيقاً.
بين الواقع الميداني والتطمينات الرسمية
تضع هذه التطورات قطاع الدواجن أمام تحديين متوازيين: الأول يتعلق بإدارة أي إصابات أو نفوق ضمن الأطر الفنية والبيطرية المعتمدة، والثاني يرتبط بالشفافية في تداول المعلومات وطمأنة الرأي العام في ظل بيئة إعلامية سريعة التأثر بالشائعات.
وفي ظل الضغوط الاقتصادية وارتفاع تكاليف الإنتاج، يبقى استقرار القطاع عاملاً حاسماً في ضبط أسعار الفروج والبيض، اللذين يشكلان مصدراً أساسياً للبروتين لدى شريحة واسعة من السوريين.
وحتى صدور بيانات تفصيلية أكثر من الجهات المعنية حول نسب النفوق وأسبابه الدقيقة، سيظل الجدل قائماً بين روايات الميدان والتطمينات الرسمية، بانتظار معطيات موثقة تحسم طبيعة ما يجري في المداجن السورية.