فيضانات المخيمات تعيد طرح سؤال التبرعات: أموال كبيرة واستجابة محدودة
تسببت الأمطار الغزيرة والسيول التي ضربت مناطق متفرقة من سوريا، خلال الأيام الماضية، في غرق مخيمات للنازحين وتضرر بنى تحتية هشة، ما استدعى تدخل فرق الدفاع المدني في عمليات إنقاذ وإجلاء متكررة، في مشهد بات يتكرر مع كل موسم شتاء.
لكن العواصف الأخيرة لم تكشف فقط هشاشة المخيمات، بل أعادت إلى الواجهة تساؤلات أعمق تتعلق بمصير أموال التبرعات التي جُمعت خلال السنة الماضية، وجدوى الاستجابة الإنسانية المعتمدة دون حلول مستدامة، في ظل استمرار المخاطر ذاتها وتراجع الدعم الدولي الموجّه للنازحين.
عمليات إنقاذ تتكرر… والأسباب ذاتها
وأفادت وزارة الطوارئ وإدارة الكوارث بأن فرقها نفذت عمليات بحث وإنقاذ في ريف اللاذقية، حيث حاصرت السيول مدنيين قرب مجاري الأودية، وأسفرت عن إنقاذ بعضهم، فيما لا تزال عمليات البحث مستمرة عن مفقودين.
كما شهد شمال غربي سوريا، ولا سيما ريف إدلب الغربي، فيضانات غمرت خياماً مقامة قرب مجارٍ مائية موسمية، ما أدى إلى تضرر عشرات المخيمات، وإجلاء مئات العائلات إلى مدارس ومراكز إيواء مؤقتة.
وبحسب معطيات ميدانية، تضرر ما لا يقل عن 14 مخيماً في مناطق خربة الجوز وعين البيضاء وبداما، فيما قُدّر عدد العائلات المتضررة بنحو 300 عائلة، وسط تحذيرات من تكرار المشهد مع أي منخفض جوي جديد.
مخيمات بلا حماية رغم مليارات التبرعات
ويعيش قرابة مليون نازح سوري في الخيام شمالي البلاد، موزعين على نحو 1150 مخيماً، معظمها مقامة في مناطق منخفضة أو قرب أودية، ما يجعلها عرضة للغرق مع كل عاصفة، في ظل غياب حلول هندسية أو إسكانية دائمة.
في المقابل، تشير بيانات حملات تبرع أُطلقت خلال عام واحد إلى الإعلان عن جمع أكثر من مليار دولار أميركي لدعم السوريين، إلا أن واقع المخيمات يطرح تساؤلات حول الأثر الفعلي لهذه الأموال، ومدى توجيهها نحو حلول مستدامة تقلل من تكرار الخسائر البشرية والمادية.
ويرى الخبير الاقتصادي حسن حيدر العيلي أن حجم التبرعات المعلنة كان كفيلاً بإحداث تغيير جذري في أوضاع النازحين، لو جرى استثماره في مشاريع إسكان مرحلي أو دائم، بدلاً من الاكتفاء بالاستجابة الطارئة. ويقول إن كلفة الوحدة السكنية المسبقة الصنع، بمساحة تتراوح بين 40 و50 متراً مربعاً، قد تتراوح بين 5 و10 آلاف دولار، ما يعني إمكانية إنشاء عشرات الآلاف من الوحدات السكنية بكلفة تقل عن إجمالي التبرعات المعلنة.
فجوة بين التعهّدات والتحصيل
ولا يقتصر الإشكال على آليات الإنفاق، بل يمتد إلى فجوة واضحة بين التعهّدات المعلنة والمبالغ التي جرى تحصيلها فعلياً. إذ تشير تقارير صادرة عن مبادرات محلية إلى أن جزءاً كبيراً من التعهدات لم يتحول إلى تمويل حقيقي على الأرض.
وفي هذا السياق، كشف مدير مشاريع حملة “أبشري حوران”، مهند الجهماني، أن إجمالي التعهدات الثابتة للحملة بلغ نحو 34.3 مليون دولار بعد التدقيق، لم يُحصّل منها سوى 17% فقط، ما أدى إلى عجز مالي أثّر على تنفيذ المشاريع المعلنة.
وتشير دراسات صادرة عن مراكز بحثية سورية إلى أن غياب الشفافية والحوكمة المؤسسية، إلى جانب اعتماد الحملات الموسمية ذات الطابع العاطفي، يقلل من فعالية التبرعات ويضعف ثقة المتبرعين على المدى الطويل.

استجابة طارئة أم حل مستدام؟
ويرى مختصون أن الاستمرار في ضخ الأموال ضمن مسار إغاثي مؤقت يؤدي عملياً إلى إعادة إنتاج الأزمة سنوياً، في وقت تصبح فيه كلفة الاستجابة الطارئة المتكررة أعلى من كلفة الحلول الدائمة.
وتدعم هذه الرؤية تجارب دولية في التعامل مع الكوارث، حيث جرى اعتماد نماذج إسكان مرحلي ومسبق الصنع، أسهمت في تقليص الخسائر وتسريع التعافي، مقارنة بالاعتماد الطويل على الإيواء المؤقت.
ومع استمرار تغيّر المناخ وازدياد شدة الأمطار، يتوقع خبراء أن تتكرر حوادث غرق المخيمات بوتيرة أعلى، ما لم يُعاد النظر في طريقة إدارة أموال التبرعات، وتوجيهها نحو مشاريع تقلل من المخاطر بدلاً من الاكتفاء بإدارتها عند وقوع الكارثة.
وبينما تواصل فرق الدفاع المدني عملياتها لإنقاذ العالقين، يبقى السؤال مفتوحاً حول مصير مليارات التبرعات، وما إذا كانت ستتحول إلى حلول تحمي النازحين من الكوارث المتكررة، أم ستبقى جزءاً من دورة استجابة طارئة لا تنتهي.
اقرأ أيضاً:فيضانات وسيول تضرب شمال غرب سوريا وتخلّف قتلى وأضراراً واسعة في مخيمات النازحين