مستوى المعيشة في سوريا: ارتفاع الأسعار وتراجع القدرة الشرائية يفاقمان أعباء الأسر
تواجه الأسر السورية تحديات اقتصادية ومعيشية متزايدة في ظل ارتفاع تكاليف المعيشة وتراجع القدرة الشرائية، واتساع الفجوة بين الدخل والنفقات الأساسية، ما يجعل تحسين مستوى المعيشة وتأمين مصادر دخل مستقرة من أبرز الأولويات الاقتصادية والاجتماعية في البلاد.
ويرتبط تحسن الواقع المعيشي للأسر السورية بمجموعة من العوامل، أبرزها توفير فرص العمل، وتنشيط الإنتاج، وزيادة الدخول بما يتناسب مع أسعار السلع والخدمات، إلى جانب تحسين إدارة الموارد وتعزيز التعاون بين الحكومة والفعاليات الاقتصادية.
وفي هذا السياق، يرى الخبير الاقتصادي الدكتور فادي عياش أن الصعوبات المعيشية التي تواجه الأسرة السورية ترتبط بتعدد العوامل الاقتصادية، وفي مقدمتها محدودية فرص العمل وضعف القدرة على إطلاق مشاريع إنتاجية جديدة توفر دخلاً مستقراً وتخلق فرص عمل مستدامة.
ارتفاع الأسعار يوسع الفجوة بين الدخل وتكاليف المعيشة
يؤكد عياش، في حديثه لصحيفة «الحرية»، أن تحسين مستوى المعيشة يتطلب توفير فرص عمل وتعزيز قدرة الاقتصاد على توليد الوظائف المنتجة، بما ينعكس على دخل الأسر واستقرارها الاقتصادي.
ويشير إلى أن تقييم الواقع المعيشي لا يقتصر على قيمة الرواتب والأجور، بل يشمل مدى قدرة هذه الدخول على تغطية الاحتياجات اليومية في ظل التغيرات المستمرة في الأسعار.
وبحسب عياش، شهدت أسعار العديد من السلع المرتبطة بالمعيشة اليومية ارتفاعات تراوحت بين 25 و45 بالمئة، بعد انخفاض سابق في أسعار بعض السلع الأساسية، الأمر الذي أدى إلى تراجع الأثر الفعلي لزيادة الرواتب على القدرة الشرائية للأسر.
وتعكس هذه التطورات، وفقاً للخبير الاقتصادي، اتساع الفجوة بين الدخل والإنفاق، ما يجعل تحسين الأجور وحده غير كافٍ ما لم يترافق مع ضبط ارتفاع الأسعار وتوسيع فرص العمل وتعزيز النشاط الإنتاجي.
كيف يُقاس مستوى المعيشة في سوريا؟
يوضح عياش أن مستوى المعيشة لا يُقاس بالدخل وحده، بل يرتبط أيضاً بمستوى توزيع الثروة الوطنية، ومدى توجيه الموارد لخدمة الاقتصاد والمجتمع وتحقيق العدالة الاجتماعية.
ويشمل تقييم الرفاه الاجتماعي مجموعة من المؤشرات الاقتصادية والمعيشية، من أبرزها:
- الدخل والقدرة الشرائية: مدى قدرة الأفراد على تلبية احتياجاتهم الأساسية.
- فرص العمل: توافر الوظائف وجودتها واستقرار مصادر الدخل.
- مستويات الفقر: نسبة الأسر التي تواجه صعوبات في تأمين متطلباتها الأساسية.
- تكاليف السكن: حجم الإنفاق على الإيجارات والخدمات المرتبطة بالسكن.
- التعليم والصحة: القدرة على الحصول على الخدمات التعليمية والرعاية الصحية.
- التضخم والأسعار: تأثير ارتفاع أسعار السلع والخدمات على الإنفاق اليومي.
- البنية التحتية والاستقرار: توافر الخدمات الأساسية والظروف الاقتصادية والاجتماعية الملائمة.
وتساعد هذه المؤشرات مجتمعة على تكوين صورة أكثر دقة عن الواقع المعيشي، وتحديد المجالات التي تحتاج إلى تدخلات اقتصادية واجتماعية لتحسين حياة الأسر.
الإنفاق على الغذاء مؤشر على مستوى المعيشة
يشير عياش إلى تعدد الأساليب المستخدمة لقياس مستوى المعيشة، مع وجود محدودية في قدرة كل مؤشر منفرد على إظهار الفوارق في توزيع الثروة والدخل بين السكان.
ومن أبرز المؤشرات المستخدمة نسبة الإنفاق على الغذاء من إجمالي دخل الأسرة أو الفرد، إذ إن ارتفاع هذه النسبة يشير عادةً إلى محدودية الموارد المتاحة لتغطية الاحتياجات الأخرى، مثل السكن والتعليم والصحة والنقل.
ويمكن كذلك الاستناد إلى متوسط إنفاق القطاع الخاص مقارنة بعدد السكان، لكن الوصول إلى تقييم دقيق للواقع المعيشي يتطلب الجمع بين مؤشرات الدخل والإنفاق والأسعار والفقر وفرص العمل.
وتكتسب هذه المؤشرات أهمية خاصة في سوريا، حيث تواجه الأسر تحديات في الموازنة بين النفقات الأساسية والدخول المتاحة، ما يجعل متابعة تطور الأسعار والأجور والإنفاق الأسري ضرورة لفهم التغيرات في مستوى المعيشة.
دور الحكومة والفعاليات الاقتصادية في تحسين دخل الأسرة السورية
من جانب آخر، تبرز أهمية دور الفعاليات الاقتصادية، ولا سيما القطاعات الإنتاجية والصناعية والتجارية، في معالجة التحديات المرتبطة بالدخل والأسعار وفرص العمل.
ويرى الصناعي فيصل المنان أن من الضروري طرح قضايا تحسين الدخل والقدرة الشرائية وتوفير فرص العمل ضمن اللقاءات والفعاليات الاقتصادية، نظراً إلى ارتباطها المباشر بقدرة الاقتصاد الوطني على خلق وظائف جديدة وتحسين الظروف المعيشية للأسر السورية.
وتتناول هذه الطروحات سبل تطوير الأداء الاقتصادي، وتعزيز الإنتاج، وتحسين فرص العمل، بما يدعم قدرة الأسر على مواجهة تكاليف الحياة اليومية.
ويؤكد المنان أهمية التعاون بين الحكومة والفعاليات الاقتصادية للوصول إلى حلول عملية ومستدامة، تساعد على رفع مستوى المعيشة وتوفير دخل يتناسب مع الاحتياجات الأساسية للأسرة.
كما يتطلب تحسين الواقع المعيشي تنسيقاً بين السياسات الاقتصادية والإنتاجية، بما يضمن أن تنعكس أي زيادة في النشاط الاقتصادي على فرص العمل والأجور والقدرة الشرائية، بدلاً من أن تبقى آثارها محدودة على المستوى العام.
ما الحلول المطلوبة لتحسين مستوى المعيشة في سوريا؟
يرى الخبير الاقتصادي فادي عياش أن تحسين الواقع المعيشي للأسرة السورية يحتاج إلى معالجة اقتصادية متكاملة، تبدأ بتوفير فرص عمل مستقرة وتنشيط الإنتاج، ولا تنتهي عند زيادة الدخول، بل تشمل أيضاً تحسين إدارة الموارد وتعزيز قدرة الاقتصاد على تحقيق نمو مستدام.
ويقتضي ذلك العمل على تقليص الفجوة بين الرواتب وتكاليف المعيشة، وتوسيع قاعدة الإنتاج، ودعم الأنشطة القادرة على توفير فرص عمل، إلى جانب متابعة تطورات الأسعار وتحسين كفاءة الخدمات الأساسية.
كما أن قياس نتائج السياسات الاقتصادية ينبغي أن يستند إلى انعكاساتها الفعلية على حياة المواطنين، من خلال تطور القدرة الشرائية، وانخفاض أعباء الإنفاق الأساسي، وتحسن فرص العمل ومستوى الخدمات.
وفي المحصلة، يبقى تحسين مستوى المعيشة في سوريا مرتبطاً بقدرة الحكومة والفعاليات الاقتصادية على تحويل الخطط والإجراءات إلى نتائج ملموسة، تضمن دخلاً أكثر استقراراً وتساعد الأسر على تلبية احتياجاتها اليومية وتحقيق مستوى معيشة كريم.
إقرأ أيضاً: تكاليف المعيشة في سوريا تتجاوز قدرة الأسر.. فجوة كبيرة بين الرواتب والأسعار