أزمات المحروقات في سوريا.. فجوة الإنتاج والاستيراد وغياب المنافسة
تتداخل عوامل الإنتاج والاستيراد والتكرير وإدارة التوزيع في أزمات المحروقات المتكررة في سوريا، حيث لا تكفي الكميات المنتجة محلياً لتلبية احتياجات السوق، ما يفرض الاعتماد على الواردات ويجعل الإمدادات عرضة لتقلبات الأسعار العالمية وتعطل عمليات التكرير. وفي مقابل تفسير الحكومة للأزمة بارتفاع تكاليف التأمين والتوريد، يرى الخبير الاقتصادي جورج خزام أن بنية السوق وغياب المنافسة في استيراد المشتقات النفطية وتوزيعها يسهمان أيضاً في استمرار الاختناقات.
وتجلت الضغوط على سوق الوقود في أيلول/سبتمبر الماضي، عندما رفعت الحكومة السورية أسعار المشتقات النفطية، ليصل سعر لتر المازوت إلى 175 ليرة سورية، والبنزين 95 إلى 195 ليرة، والبنزين 90 إلى 185 ليرة، فيما بلغ سعر أسطوانة الغاز المنزلي 1600 ليرة.
الإنتاج المحلي لا يغطي احتياجات السوق
أرجعت وزارة الطاقة رفع الأسعار إلى زيادة تكاليف تأمين المشتقات النفطية في الأسواق العالمية، بالتزامن مع إخضاع مصفاة بانياس لعمرة شاملة، الأمر الذي رفع الحاجة مؤقتاً إلى استيراد الوقود الجاهز بدلاً من الاعتماد على التكرير المحلي.
وتوضح بيانات الوزارة حجم الاعتماد على الاستيراد خلال النصف الأول من عام 2026، إذ استوردت سوريا نحو 1.5 مليون طن من النفط الخام، و598 ألف طن من المازوت، و283 ألف طن من البنزين، إضافة إلى 196 ألف طن من الغاز المسال. وفي الفترة نفسها، بلغ إنتاج البلاد من النفط الخام 14.8 مليون برميل.
وفي أيلول الماضي، قال وزير الطاقة محمد البشير إن الإنتاج النفطي السوري يبلغ نحو 112 ألف برميل يومياً، مقابل فجوة تقدر بنحو 200 ألف برميل يجري تغطيتها بالاستيراد.
وبحسب البشير، تصل الاحتياجات اليومية للسوق السورية إلى نحو 12 مليون لتر من المازوت و8 ملايين لتر من البنزين، ما يعكس حجم الطلب على المشتقات النفطية مقارنة بالإنتاج المتاح.
وقدّرت وزارة الطاقة النفقات الشهرية لشراء النفط الخام والمشتقات النفطية بنحو 831 مليون دولار. ويضع هذا الرقم تأمين القطع الأجنبي وتقلبات أسعار الطاقة عالمياً ضمن أبرز التحديات التي تواجه الحكومة في توفير احتياجات السوق.
جورج خزام: غياب المنافسة يفاقم الاختناقات
إلى جانب العوامل المرتبطة بالإنتاج والاستيراد، يركز الخبير الاقتصادي جورج خزام على طريقة تنظيم سوق المشتقات النفطية، معتبراً أن حصر الاستيراد والتسعير والتوزيع بجهات حكومية، وفق توصيفه، يحد من المنافسة ويسهم في استمرار الاختلالات.
وفي منشور عبر منصة «فيسبوك»، قال خزام إن منع القطاع الخاص من استيراد المشتقات النفطية يحصر التوريد في مصدر واحد، ويقلل فرص دخول موردين جدد يمكنهم المنافسة على الأسعار وشروط الإمداد.
ويرى الخبير أن تحديد أسعار محلية أعلى من مستويات الأسعار العالمية أو الأسعار في دول الجوار، مع غياب البدائل المنافسة، يتيح استمرار تحميل فروق التكلفة للصناعيين والمستهلكين. ويطرح بذلك مسألة المنافسة بوصفها عاملاً إضافياً في تفسير ارتفاع أسعار الوقود، إلى جانب تكاليف الاستيراد والتكرير.
ولا تقتصر ملاحظات خزام على التسعير، إذ يشير أيضاً إلى تفاوت توزيع المشتقات بين محطات الوقود. ويقول إن حصول بعض المحطات على حصص كبيرة، مقابل انخفاض المخصصات لمحطات أخرى، قد يؤدي إلى اختلالات في السوق ويفتح المجال أمام تحقيق أرباح استثنائية على حساب المحطات الأخرى والمستهلكين.
المحروقات المهربة من لبنان ومؤشرات اختلال السوق
ويربط خزام انتشار سوق المحروقات المهربة من لبنان بالفوارق في الأسعار أو الجودة بين المنتجات المتاحة عبر القنوات الرسمية وتلك التي تصل إلى السوق بطرق غير نظامية.
وبحسب قراءته، فإن لجوء المستهلكين إلى الوقود المهرب قد يعكس وجود فارق في السعر أو المواصفات يدفعهم إلى تفضيله على المنتج المتاح محلياً. ويقدم الخبير هذه الظاهرة باعتبارها مؤشراً على اختلالات في السوق الرسمية، وليس مجرد مسألة تتعلق بمصادر التوريد.
ويحذر خزام من أن استمرار ضعف المنافسة، وفق تقديره، لا يقتصر أثره على فاتورة الوقود، بل يمتد إلى قطاعات الاقتصاد الأخرى. فارتفاع أسعار البنزين والمازوت يزيد تكاليف النقل والإنتاج، ويضغط على قدرة الصناعات المحلية على المنافسة، كما ينعكس على أسعار السلع والخدمات.
ويرى أن تراكم هذه التكاليف قد يؤدي إلى تراجع الطلب، وزيادة الاعتماد على الاستيراد، وارتفاع معدلات البطالة، نتيجة الضغوط التي تتحملها الأنشطة الإنتاجية.
فتح الاستيراد أمام القطاع الخاص
ويعتبر خزام أن إصلاح سوق المحروقات لا يتحقق بمجرد تعديل آلية تحديد الأسعار، إذ إن تحرير السوق، بحسب طرحه، يتطلب إتاحة المجال أمام القطاع الخاص لاستيراد المشتقات النفطية ضمن ضوابط ورقابة واضحتين.
ويقول إن وجود جهة واحدة تتحكم بالاستيراد والكميات والأسعار لا ينسجم مع مفهوم السوق الحرة، مشدداً على أن تعدد الموردين من شأنه إتاحة المنافسة على الأسعار وشروط التوريد.
في المقابل، تعمل وزارة الطاقة على معالجة جانب من المشكلة عبر زيادة الإنتاج المحلي وتحسين قدرات التكرير. وأعلنت الوزارة إعادة تشغيل عدد من المصافي الصغيرة بطاقة تصل إلى 35 ألف برميل يومياً، فيما تستهدف أعمال تأهيل مصفاة بانياس رفع كفاءتها وطاقتها التكريرية إلى نحو 130 ألف برميل يومياً.
وتعكس هذه الإجراءات مسارين مختلفين في التعامل مع أزمة المحروقات: الأول يركز على زيادة الكميات المنتجة والمكررة محلياً لتقليل الحاجة إلى الاستيراد، والثاني، وفق مقترحات خزام، يدعو إلى تغيير آليات إدارة السوق وتوسيع نطاق المنافسة في التوريد والتوزيع.
اختناقات التوزيع ومشكلات التوريد
وسجلت محطات الوقود في سوريا خلال تموز/يوليو الماضي اختناقات حادة، عزتها وزارة الطاقة إلى عدة عوامل، من بينها استبعاد شحنة بنزين لم تطابق المواصفات المطلوبة، وتراجع استجرار بعض المحطات للكميات قبيل خفض الأسعار، قبل أن يرتفع الطلب المؤجل بصورة مفاجئة.
وأشارت الوزارة حينها إلى تنظيم 179 ضبطاً بحق مخالفات في محطات الوقود والمستودعات خلال أسبوع واحد، في إطار التعامل مع المخالفات المرتبطة بتداول المشتقات النفطية.
وتوضح هذه الواقعة أن اضطرابات السوق لا ترتبط بعامل واحد، إذ تتداخل فيها مشكلات التوريد والمواصفات وتوقيت الطلب مع قدرة المصافي على تلبية الاحتياجات، فضلاً عن آليات توزيع الكميات على المحطات.
وبينما تراهن الحكومة على زيادة الإنتاج المحلي ورفع الطاقة التكريرية لتقليص الاعتماد على الاستيراد، يطرح خزام توسيع مشاركة القطاع الخاص باعتباره أحد المسارات الممكنة لمعالجة اختلالات السوق.
وتبقى أزمة المحروقات مرتبطة بمجموعة من العوامل المتشابكة، تشمل حجم الفجوة بين الإنتاج والطلب، وكلفة تأمين المشتقات من الخارج، والقدرة على التكرير، فضلاً عن طريقة إدارة الاستيراد والتوزيع. ويعني ذلك أن زيادة الإمدادات المحلية قد تخفف بعض الضغوط، فيما تظل مسألة تنظيم السوق والمنافسة جزءاً من النقاش حول أسباب تكرار الأزمات.
اقرأ أيضاً:رفع أسعار المحروقات في سوريا.. ووزارة الاقتصاد تنفي زيادة سعر الخبز