سباق قرارات ينتهي بفصل مئات العمال في مؤسسات حكومية سورية

شهدت مؤسسات حكومية سورية خلال شهري شباط وآذار 2026 موجة قرارات متتالية بإنهاء عقود مئات العمال، طالت المؤسسة العامة للتبغ في المنطقة الساحلية، ومؤسسة الحبوب في اللاذقية، إلى جانب قطاعات تابعة لوزارة الشؤون الاجتماعية والعمل في عدة محافظات.

ووفق المعطيات، بلغ عدد من فقدوا وظائفهم خلال هذه الفترة نحو 770 عاملاً وعاملة، في قرارات صدرت دون تمهيد مسبق أو إنذارات واضحة، ودون توفير إجراءات انتقالية أو تعويضات تساعد المتضررين على التكيف مع فقدان مصدر دخلهم.

تعكس هذه الإجراءات، بحسب ما يظهر من سياقها، تعاملاً غير كافٍ مع ملف يمس بشكل مباشر معيشة مئات الأسر التي فقدت دخلها دفعة واحدة، في وقت يُفترض فيه أن تتجه السياسات العامة نحو تخفيف الأعباء المعيشية لا زيادتها.

قرارات متتابعة خلال فترة قصيرة

في 30 آذار/مارس 2026، أصدرت وزارة الاقتصاد والصناعة القرار رقم 733 القاضي بإنهاء عقود 113 عاملاً في المؤسسة العامة للتبغ – فرع المنطقة الساحلية، استناداً إلى القانون الأساسي للعاملين في الدولة رقم 50 لعام 2004 وتعديلاته، إضافة إلى ما وصف بـ”مقتضيات العمل”.

القرار شمل موظفين معظمهم من سكان الساحل السوري، دون تقديم توضيحات تفصيلية حول الأسباب المباشرة أو طرح بدائل واضحة لهم.

وسبق هذا القرار، في 1 شباط/فبراير، إنهاء عقود 42 موظفاً من العاملين بنظام العقود في مؤسسة الحبوب – فرع اللاذقية، بينهم موظفون أمضوا أكثر من 15 عاماً في الخدمة. وقد خرج هؤلاء من وظائفهم دون الحصول على تعويضات أو مكافآت نهاية خدمة، ما وضعهم في مواجهة مباشرة مع فقدان مصدر رزقهم.

هذا التتابع الزمني السريع للقرارات، خلال فترة لا تتجاوز شهرين، يطرح تساؤلات حول ما إذا كانت هذه الإجراءات جزءاً من عملية إعادة هيكلة أوسع، أم أنها قرارات منفصلة تتقاطع في نتائجها دون إطار واضح ينظمها.

تبريرات رسمية تفتقر للتفصيل

رغم تأكيد الجهات المعنية على قانونية القرارات، إلا أن الاعتماد على عبارات عامة مثل “مقتضيات العمل” و”المصلحة العامة” لم يقدّم تفسيراً كافياً لطبيعة هذه الإجراءات. وتترك هذه الصياغات مجالاً واسعاً للغموض، خاصة في ظل غياب معايير واضحة أو شروحات تفصيلية تبرر إنهاء العقود بهذا الشكل الجماعي.

وبحسب إفادات عدد من الموظفين المتضررين، طُرح تفسير غير رسمي يتعلق بـ”صلة القرابة”، إذ اعتُبر وجود أقارب لهم داخل المؤسسة امتداداً لمحسوبيات سابقة.

إلا أن هذا التبرير، في حال اعتماده بشكل عام، يثير تساؤلات حول آلية التحقق منه، وما إذا كان قد استند إلى تقييم فردي لكل حالة أم تم تطبيقه بصورة جماعية.

كما يبرز تناقض واضح في هذا السياق، إذ أن معالجة أي خلل إداري سابق يفترض أن تتم عبر آليات دقيقة ومحددة، لا من خلال قرارات جماعية تنهي عقود موظفين دون تفصيل، وهو ما يطرح تساؤلات حول تعريف “المصلحة العامة” ومدى مراعاتها لحقوق العاملين أنفسهم.

تصاعد وتيرة الفصل في وزارات مختلفة

بعد يومين فقط من قرار وزارة الاقتصاد، أصدرت وزيرة الشؤون الاجتماعية والعمل هند قبوات قراراً بإنهاء عقود 614 موظفاً موزعين على عدة محافظات، في خطوة لافتة من حيث حجمها وتوقيتها.

ويكتسب هذا القرار أهمية إضافية كونه جاء بعد إطلاق الوزارة في آذار/مارس 2026 خطتها الاستراتيجية للأعوام 2026–2028 في دار الأوبرا بدمشق، والتي تضمنت ضمن أهدافها الأساسية توفير فرص عمل، بوصف ذلك من أبرز مهامها.

التزامن بين هذه القرارات، وبهذا الحجم، لا يوحي بأنها حالات منفصلة، بل يفتح الباب أمام احتمال وجود نهج أوسع يُطبّق على أكثر من جهة، أو في الحد الأدنى غياب ضوابط تحدّ من تكرار هذه الإجراءات واتساع نطاقها.

تداعيات معيشية قاسية على الأسر

تأتي هذه القرارات في وقت يواجه فيه السوريون ظروفاً معيشية صعبة، حيث تعتمد مئات العائلات على رواتب حكومية بالكاد تغطي الحد الأدنى من الاحتياجات الأساسية. ومع فقدان هذه الرواتب بشكل مفاجئ، تجد هذه الأسر نفسها أمام فراغ معيشي كامل، دون وجود بدائل أو دعم يخفف من حدة الصدمة.

هذا الواقع يفرض تساؤلات أوسع حول طبيعة هذه القرارات، وما إذا كانت صادرة بشكل منفصل عن كل وزارة، أم ضمن توجه عام على مستوى السلطة التنفيذية، إضافة إلى التساؤل عن الجهات التي تراقب هذه السياسات وآليات محاسبتها، ومن يتحمل مسؤولية آثارها الاجتماعية المتراكمة.

غياب دور النقابات وتساؤلات حول “الإصلاح”

في موازاة ذلك، يبرز غياب واضح لدور النقابات والجهات المعنية بحماية حقوق العمال، سواء من حيث الاعتراض على هذه القرارات أو تقديم بدائل عملية. كما لا تظهر مؤشرات على اعتماد خيارات أخرى، مثل إعادة توزيع العاملين أو منح تعويضات عادلة، رغم أن هذه الأدوات تُعد جزءاً أساسياً من أي عملية إصلاح متوازن.

في المحصلة، تكشف هذه الإجراءات عن إشكالية عميقة في إدارة ملف العمالة الحكومية تحت شعار الإصلاح، حيث تبدو النتائج المباشرة متمثلة في فقدان مئات العمال والعاملات لمصادر دخلهم، ودفع أسرهم إلى مواجهة أعباء معيشية إضافية في ظل وضع اقتصادي ضيق، لا يتيح أساساً هامشاً للتحمل.

 

اقرأ أيضاً:سوريا على صفيح القرارات: تعيينات مثيرة للجدل واحتجاجات تتسع وشارع يغلي

اقرأ أيضاً:حمص: قرار حكومي بفصل 400 موظف في قطاع البناء يثير موجة استياء واسعة

حساباتنا: فيسبوك  تلغرام يوتيوب تويتر انستغرام

المزيد ايضا..
اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.