سوريا بعد عام من رحيل الأسد: مكاسب دولية وهشاشة داخلية
بعد مرور أكثر من عام على التغيير السياسي في سوريا، أصدر المجلس الأوروبي للعلاقات الخارجية (ECFR) تقريراً تحليلياً معمقاً أعده مدير برنامج الشرق الأوسط، جوليان بارنز-دايسي. يخلص التقرير إلى أن سوريا تمر بمرحلة مخاض عسير، حيث يصطدم الترحيب الدولي وتخفيف العقوبات بواقع اقتصادي مرير وغياب رؤية سياسية واضحة.
1. الفجوة السياسية: غياب الدستور وفصل السلطات
يرى التقرير أن إدارة الرئيس أحمد الشرع لم تقدم حتى الآن ضمانات كافية لبناء دولة المؤسسات.
تمركز السلطة: يشير “دايسي” إلى قلق السوريين من “إعادة تدوير الممارسات القديمة” وتركيز القرار في دوائر ضيقة.
المساءلة: برزت مخاوف من استحداث هيئات غير خاضعة للرقابة مثل صندوق الثروة السيادية.
العدالة الانتقالية: يحذر التقرير من أن غياب آليات واضحة للمصالحة والعدالة يهدد الاستقرار طويل الأمد.
2. الاقتصاد السوري 2025-2026: نمو خجول وفقر متفاقم
رغم رفع جزء كبير من العقوبات الأمريكية والأوروبية، إلا أن الأرقام الصادرة في التقرير تبدو صادمة:
معدل النمو: لم يتجاوز الاقتصاد السوري نسبة 1% خلال عام 2025.
خط الفقر: لا يزال أكثر من 90% من السوريين يعيشون تحت خط الفقر.
أزمة الطاقة: رغم تحسن التغذية الكهربائية، إلا أن رفع الدعم جعل الفواتير تفوق قدرة المواطن الشرائية.
التحذير الجيوسياسي: يرى المركز أن البطالة وسوء المعيشة قد يفتحان الباب مجدداً لشبكات المخدرات أو التنظيمات المتطرفة (مثل داعش) لاستغلال السخط الشعبي.
3. التحديات الجيوسياسية: سوريا في قلب “عاصفة” المنطقة
تواجه سوريا الجديدة تحديات أمنية خارجية تضغط على استقرارها الداخلي:
التصعيد الإقليمي: الضربات المتبادلة بين الولايات المتحدة وإيران تضع سوريا في منطقة خطر، خاصة مع انخراط جيرانها (لبنان، العراق، إسرائيل) في الصراع.
التدخل الإسرائيلي: يشير التقرير إلى احتلال إسرائيل لمساحات واسعة من الأراضي السورية بعد سقوط النظام السابق، ودعمها لبعض المظالم المحلية (مثل ملف الدروز في الجنوب) لإبقاء الدولة ضعيفة ومجزأة.
ملف الأقليات: رغم الخطوات الإيجابية (مثل منح الأكراد حقوق المواطنة)، لا تزال هناك مخاوف عميقة لدى الأقليات (العلويين والدروز) من شكل الدولة القادمة.
4. التوصيات الأوروبية: من الإغاثة إلى الاستثمار الهيكلي
يقترح المجلس الأوروبي خارطة طريق لدعم الاستقرار في سوريا تشمل:
دعم البنية التحتية: الاستثمار في قطاع الكهرباء (مثل محطة دير علي) كأولوية قصوى.
تنشيط القطاع المصرفي: ربط البنوك الأوروبية بالبنك المركزي السوري لتسهيل تدفق الاستثمارات.
التنسيق الإقليمي: ضرورة التعاون بين أوروبا، تركيا، والسعودية لدعم تحديث القطاع الأمني السوري.
اللجنة الدائمة: إنشاء لجنة مشتركة بين دمشق والمانحين لتقييم الاحتياجات وتنظيم العمل الإغاثي والتنموي.
الخلاصة:
مستقبل سوريا يعتمد على قدرة الحكومة الانتقالية على الانتقال من “شرعية التغيير” إلى “شرعية الإنجاز”. فبدون رؤية اقتصادية شاملة تلمس حياة المواطن العادي، سيبقى الاستقرار السياسي مجرد حبر على ورق التقارير الدولية.
إقرأ أيضاً: سوريا على صفيح القرارات: تعيينات مثيرة للجدل واحتجاجات تتسع وشارع يغلي