بعد اعتراضات الفعاليات الاقتصادية.. الاقتصاد تتراجع عن قرارها

تراجعت وزارة الاقتصاد والصناعة في سوريا عن قرارها القاضي برفع الرسوم والحدود المالية المتعلقة بتأسيس وتوثيق الشركات، وذلك بعد يومين فقط على صدوره، في خطوة عكست حجم الاعتراضات التي واجهها القرار من الأوساط الاقتصادية والتجارية.

وبموجب قرار جديد وقّعه وزير الاقتصاد والصناعة نضال الشعار، جرى إلغاء القرار رقم /70/ الصادر بتاريخ 5 كانون الثاني/يناير 2026، والذي كان قد تضمّن زيادات واسعة شملت رفع الحدود الدنيا لرؤوس أموال الشركات، وزيادة رسوم التأسيس، ورسوم التصديق على الدراسات الأولية لشركات الأموال، إلى جانب أتعاب إعداد دراسات الجدوى الاقتصادية.

كما شمل القرار الملغى زيادة رسوم دراسة عقود شركات الأشخاص والشركات المدنية والمبادلات، ورفع كلفة الحصول على صور مصدّقة من السجلات التجارية والأنظمة الأساسية للشركات المحلية والأجنبية، وهو ما اعتبرته فعاليات اقتصادية عبئًا إضافيًا على بيئة الأعمال، في ظل ظروف اقتصادية ومالية معقّدة تمر بها البلاد.

ورغم أن قرار الإلغاء لم يتضمّن توضيحًا رسميًا لأسباب التراجع، نقلت مصادر مطّلعة أن الخطوة جاءت نتيجة اعتراضات واسعة من غرف التجارة والصناعة وعدد من الفعاليات الاقتصادية، التي رأت أن الأرقام المالية الواردة في القرار لا تتناسب مع الواقع الاقتصادي الحالي، ولا مع قدرات شريحة واسعة من رواد الأعمال وأصحاب المشاريع الصغيرة والمتوسطة.

وحذّرت هذه الجهات من أن تطبيق القرار كان سيؤدي إلى إعاقة تأسيس شركات جديدة، وربما دفع بعض الأنشطة الاقتصادية إلى العمل خارج الإطار القانوني، في وقت تعاني فيه السوق السورية أصلًا من تراجع النشاط المنظم.

ويأتي هذا الجدل في سياق يشهد فيه قطاع تأسيس الشركات في سوريا تراجعًا ملحوظًا خلال السنوات الأخيرة، نتيجة ضعف القدرة التمويلية، وتراجع السيولة، وارتفاع تكاليف التشغيل، إلى جانب حالة عدم اليقين التي تحيط بالمشهد الاقتصادي العام. ويرى متابعون أن أي تشديد مالي أو إداري في هذه المرحلة قد يضعف ما تبقى من حوافز الدخول إلى السوق النظامية، في وقت تطرح فيه الحكومة ملف إعادة الإعمار وتحريك الاستثمار كأولوية اقتصادية.

وفي هذا الإطار، اعتبر عضو مجلس إدارة إحدى غرف التجارة، لؤي الأشقر، أن التراجع عن قرار رفع الرسوم يعكس ما وصفه بـ“مرونة الدولة في اتخاذ القرارات وتصحيح المسارات بما يخدم الخطط والبرامج الاقتصادية”. ورأى أن تعديل القرار بعد فترة قصيرة من صدوره يدل على وجود متابعة واستجابة لملاحظات الفعاليات الاقتصادية، رغم الملاحظات التي أُثيرت سابقًا حول تأثير القرار على المشاريع الصغيرة والمتوسطة وريادة الأعمال.

وأضاف الأشقر أن تخفيف الأعباء المالية المرتبطة بتأسيس الشركات من شأنه تشجيع الأنشطة الاقتصادية على العمل ضمن الإطار القانوني، وتسهيل إجراءات التسجيل، بما يساهم في دعم الجوانب التنموية والاستثمارية، وخلق فرص عمل وتحريك الدورة الاقتصادية.

من جانبه، رأى الخبير الاقتصادي يحيى عمر السيد أن التراجع عن القرار يعكس إدراكًا متأخرًا لحساسية مرحلة التعافي الاقتصادي، مشيرًا إلى أن رفع الرسوم والحد الأدنى لرؤوس الأموال في اقتصاد يعاني من ضعف الدخل وندرة التمويل “يؤدي عمليًا إلى تقليص عدد الشركات الجديدة، وليس إلى تحسين جودة السوق”.

وأوضح السيد أن تشجيع تأسيس الشركات يتطلب سياسات تحفيزية، ولا سيما في القطاعات الإنتاجية والخدمية الصغيرة، محذرًا من أن أي أعباء مالية مرتفعة قد تعمّق الفجوة بين الاقتصاد المنظم والاقتصاد غير الرسمي، بما يتعارض مع أهداف توسيع القاعدة الضريبية وتنظيم السوق.

ويعكس هذا التراجع، بحسب مراقبين، حجم التحديات التي تواجهها الحكومة في الموازنة بين الحاجة إلى تعزيز الإيرادات العامة من جهة، وضرورة توفير بيئة أعمال أقل كلفة وأكثر جذبًا للاستثمار المحلي من جهة أخرى، في مرحلة يراهن فيها الخطاب الرسمي على دور القطاع الخاص في إعادة تحريك الاقتصاد السوري.

اقرأ أيضاً:حمص: قرار حكومي بفصل 400 موظف في قطاع البناء يثير موجة استياء واسعة

حساباتنا: فيسبوك  تلغرام يوتيوب تويتر انستغرام

المزيد ايضا..
اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.