اعتياد التشوه.. مبدأ “أنا ومن بعدي الطوفان” الذي هزمنا

أثر "الفردانية السلبية" و"الطبقية" في واقعنا من الداخل

داما بوست | رئيس التحرير: حيدر مصطفى

 

ليس ترفاً انتقاد حالة “التشوه” التي نعيشها اليوم، وللتشوه أوجه عدة في بلاد مزقتها الأزمات والحروب، ودُمرت معها القيم والأولويات، حتى صار “الفساد” اعتياداً ووسيلة لإنجاز الأهداف، و”الواسطة” لم تعد وسيلة لتحقيق ما لا يمكن تحقيقه، بل أسلوب حياة يلجأ إليه كثيرون ترفاً. حتى اهتراء الشوارع والأرصفة لم يعد يعكس حالة إهمال المجالس المحلية والبلدية فقط أو عجزها، بل رضى السكان عن التشوه البصري في مناطقهم أو عجزهم عن التغيير أو امتناعهم عن المبادرة، وينطبق ذات الأمر على اعتياد وجود مكبات قمامة حول الحاويات.

 

جدلية الطبقات:

وقبول مشاهد التشوه البصري والاجتماعي عند نسبة من الناس، يتم تبريرها بسلسلة من الأسباب، تبدأ بالأزمة الاقتصادية وغياب القدرة على تأمين الاحتياجات اليومية، فالسكان الذين يقبع 90 في المئة منهم تحت خط الفقر بتقييم منظمة الصليب الأحمر الدولي، منهمكون في تأمين سبل العيش، ولم تعد تعنيهم المظاهر أو الحالة السوية المفترضة للمجتمع.

الأسباب نفسها لا تبدو منطقية من وجهة نظر الباحثة والخبيرة الاقتصادية “د.نسرين زريق” التي أكدت لـ “داما بوست” أن الاسباب الاقتصادية قد لا تكون ذريعة لأي تحلل أخلاقي، خاصة أن ذوي الطبقة الأفقر والوسطى في البلاد هم الأعلى أخلاقاً وإدراكاً وإنسانية. ويحافظ منهم على سوية عالية من الإنجاز الإنساني لمساعدة الآخر وسوية مبسطة من الإنجاز الاقتصادي ليحقق لنفسه الكفاف.

فبحسب “زريق”.. “الذي يعمل ساعات طويلة ليكفي نفسه حاجات الحياة من الصعب أن يتسم بقلة الأخلاق، ولو كان كذلك لسَرق وحقق لنفسه السعادة الاجتماعية والأمان الاقتصادي وتخلى عن أدبيات العمل وجذور الإنسانية فيه”.

الباحثة الاقتصادية ترى أن “قليلي الأخلاق الإنسانية والدينية، وحتى قليلي العمل قد يتجهون لذريعة الفقر بوصفه مبرراً لأي جرم اقتصادي يرتكبونه، الفقير لا يسرق ولا يلتبس عليه أمرٌ يدخله بما يسببُ أي ضرر للآخر، ولكن الأزمة الاقتصادية المتمثلة بارتفاع معدل التضخم ارتفاعاً طردياً جعلت “مشوهي اليد” يطوفون لاستجداء أموال أكثر بسبب تضخم مصروفهم. فمن اعتاد السرقة أو الرشوة سيبقى معتاداً ولكن تزداد تسعيرته ازدياداً طردياً بسبب الغلاء”.

 

الفردانية السلبية:

تُعرّف “الفردانية” بوصفها موقفاً أخلاقياً أو فلسفة سياسية، أو بالنظرة الاجتماعية التي تؤكد القيمة المعنوية للفرد، وتدعو إلى ممارسة أهداف الفرد ورغباته لتكون قيمه مستقلة ومعتمداً نفسه. والفرق شاسع فعلياً بين اعتماد الفرد نفسه وبين انكفائه عن الفعالية داخل المجتمع، وبتعبير أقرب إلينا، أي ممارسة دور “المواطنة” الفاعلة، والتي دون أدنى شك تتطلب منا الإشارة إلى الخطأ والسعي لتصحيحه، لا اعتبار الممارسات غير القانونية “عرفاً” وعلى الجميع اتباعه لاختصار الطرق أو الوصول السريع، أو حتى قبول الترهل وعدم المبادرة لتصحيح الخلل.

وترى الباحثة الاجتماعية “هانيا سنجاب” في مصارحة تتعلق بالواقع الحالي للمجتمع السوري مع “داما بوست”.. أن السبب الرئيس في كل ذلك هو تخلي كثيرين عن مسؤولياتهم، أو أن “الفرد” لا يتحمل المسؤولية، ولا يفكر بطريقة أن هذه بلدي أو هذا الحي الذي أسكن فيه أو هذه الفسحة أمام منزلي، ويرمي بعضهم المسؤولية كاملة على “الدولة” وتضيف.. “بس تجي للتصرفات الفردية نفسها، بتلاقي كل شخص عم يتصرف بطريقة غلط، وعلى قولته إنه هلق الشغلة مانها موقفه عليّ، ما كل الدنيا هيك”. وهذه الجملة فعلياً تكرست في المجتمع وصارت اعتيادية في تبرير أي سلوك أو ممارسة غير منضبطة.

وتطرح الباحثة الاجتماعية مثالاً صغيراً، إننا كأفراد يمكننا أن نساهم في تقليص حالة التشوه البصري، فإن كانت البلديات مقصرة على سبيل المثال في وضع عدد كافٍ من سلال المهملات في الطرقات، فلا ضير إن أبقينا على ما نريد رميه بيدنا أو في حقيبتنا إلى حين الوصول إلى مكان مناسب ووضعه به، لا أن نساهم أكثر في زيادة التلوث أو نرمي الأوساخ في الطرقات العامة، لمجرد عدم وجود سلة مهملات قريبة.

ولا تغفل “سنجاب” العامل النفسي الأهم، فغياب الأمل دفع كثيرين للقناعة بأنهم عاجزون عن الإصلاح.. “شو بدنا نصلح لنصلح خربانة كلياتها ما وقفت عليّ” جملة تصف بها واقعاً معمماً على كثيرين وينطلقون منها لتبرير السلوك التالي “اللهم نفسي، المهم أنا زبط أموري معلش أعمل أشياء غير قانونية، ما كل الدنيا هيك، هي المسؤولين هيك ليش ما حدا بيحاسبهن؟ أنا ما حدا رح يجي يحاسبني”.

 

وكلام سنجاب يفند واقعاً محزناً، ولا يبدو ما سبق أمثلة صغيرة بل قضايا في صلب المشهد المجتمعي الذي لا يمكن علاجه إلا بعلاج الأسباب، بداية من تفعيل دور الفرد وإعادة بناء الثقة على مستويات عدة، أولاً مع نفسه، وثانياً مع مجتمعه، وثالثاً مع الحكومة متمثلة بهيئاتها المحلية، كالمجلس البلدي على سبيل المثال، فمن دون تفعيل كامل لدور الإدارة المحلية وإشراك المواطنين بالعمل المحلي، لا يمكن أن يستقيم واقع المدن والقرى فعلياً، وبدا لنا واضحاً أن مشاركة الناس الفاعلة في تحسين خدمات عدد من المناطق، شكل نموذجاً هاماً يمكن البناء عليه.

وفي الجانب الأخلاقي، لا يمكن إخراج حالة الانفلات سواء من الضوابط الاجتماعية أم حتى القانونية من دائرة الأزمة الاقتصادية، ومن دائرة الفساد التي تمادت حتى حوّلت كثيرين إلى شركاء في ارتكاب الجرائم والجنايات والجنح والتستر عليها في آن معاً، خصوصاً في زمن يتحدث فيه المال لغةً صارت مسموعةً أكثر من لغة الإنسانية والضمير. وهذا الأخير غُيّب قسراً بوصف أن الضرورات تبيح المحظورات، وهذه الأخيرة لم يعد لها تعريف واضح، سابقاً كنا نستخدم كلمة “عيب” لردع الأفعال الخاطئة، حالياً صار “العيب” مفهوماً بلا حدود، ولا عيب أكبر من أننا صرنا نتعاطى مع محيطنا وبلدنا وفق أكثر المفاهيم تشوهاً.. “أنا ومن بعدي الطوفان”.

آخر الأخبار
ملامح الطفولة في قطاع غزة في أسوأ حالاتها موكيش أمباني.. وحفل زفاف الهند الأسطوري القوات اليمينة تستهدف سفينة صهيونية في بحر العرب الفروج الفاسد يحاول اقتحام الموائد في دمشق وريفها ماذا قال أردوغان عن قضية الحدود مع العراق وإنشاء ممر أمني على طول الحدود السورية؟ إيران تقدم مقترحات لإنشاء نظام مراسلة مالية خاص بـ "بريكس" هوكستاين: أي هدنة بغزة لن تمتد بالضرورة إلى لبنان اليونيسف تحذر من مخاطر استمرار الحرب في غزة على الأطفال هموم الصحفيين مطالب مكررة منذ سنوات.. من يسمعها؟ إقرار مشروع قانون إحداث وزارة الإعلام.. الحلاق: لتحديث وتطوير عملها سوسي لـ داما بوست: "حماية المستهلك" ستتابع الأسعار في شهر رمضان بشكل يومي الجيش الروسي يسقط 81 طائرة أوكرانية ويدمر أبرامز أمريكية "أبراج بريطانية" في لبنان تثير هواجس أمنية سورية .. ما هي التفاصيل ؟ محافظة دمشق تؤكد على تخفيض ساعات التقنين خلال شهر رمضان المبارك "نصف مجنون".. 61% من الأمريكيين يشككون في قدرات بايدن العقلية الحكم بالإعدام على مرشد "الإخوان" وقياديين بالجماعة في مصر جامعة حماة تصدر نتائج امتحان اللغة الأجنبية للقيد بدرجة الماجستير تعرف على نتائج قرعة بطولة غرب آسيا إيران ترفض اعتبار حقل الدرة ملكاً للسعودية والكويت قوات العشائر تواصل استنزاف “قسد” فرض تأدية صلاة الجمعة بالمساجد.. نشاط متزايد لنهج فصائل أنقرة المتطرف شمال حلب وزير الخارجية التركي يتحدث عن التطبيع مع دمشق رصد أعداد كبيرة من الأمراض المعدية في غزة.. ومفاوضات القاهرة تستأنف اليوم ما تأثير تضرر كابلات الإنترنت بالبحر الأحمر على الشرق الأوسط؟ منحة من الصين.. 100 جهاز طاقة بديلة لإنارة ساحة العباسيين