احتجاز أموال المودعين في سوريا: إجراءات نقدية مثيرة للجدل وتساؤلات حول حق الملكية

أثارت القيود المفروضة على السحب النقدي من المصارف السورية خلال الأشهر الماضية جدلًا واسعًا في الأوساط الاقتصادية والشعبية، مع تزايد شكاوى المودعين من صعوبة الوصول إلى ودائعهم، وفرض سقوف سحب يومية منخفضة، وتأجيل تنفيذ طلبات سحب دون توضيحات زمنية واضحة. وتعيد هذه الإجراءات إلى الواجهة نقاشًا قديمًا حول طبيعة السياسات النقدية المتبعة، وحدودها القانونية، وتأثيرها على الثقة بالنظام المصرفي.

وجاء الجدل الأخير عقب منشور لحاكم مصرف سوريا المركزي، عبد القادر حصرية، أرجع فيه عدم تلبية بعض طلبات السحب إلى “شح السيولة”، معتبرًا أن إدارتها تقع على عاتق المصارف، مع توجيهها بتوزيع المتوافر “بشكل عادل”، وإعطاء أولوية للرواتب. هذا التبرير أثار تساؤلات بين المودعين حول أسباب ربط ودائعهم بتمويل الرواتب، ومدى استخدام أموالهم في هذا الإطار، خاصة مع شكاوى من استمرار القيود رغم صدور تعميم يسمح بالسحب دون سقف للحسابات المغذاة بعد 7 أيار 2025.

قيود السحب بين الضرورة والآثار الجانبية

يبرر المصرف المركزي هذه القيود بالحفاظ على استقرار سعر الصرف ومنع تدهور قيمة الليرة، إلا أن منتقدين يرون أنها تحولت عمليًا إلى تجميد قسري للمدخرات، ما انعكس سلبًا على القدرة الشرائية للمواطنين وعلى الدورة الاقتصادية عمومًا.

الخبير المصرفي والمالي أنس العواك أوضح في حديث لـ“963+” أن القيود على السحب تقوض الثقة الأساسية بين المودع والمصرف، وتشكّل إقرارًا ضمنيًا بعمق الأزمة النقدية. ولفت إلى أن هذه السياسات، وإن ساهمت مؤقتًا في الحد من الضغط على العملة، أدت في المقابل إلى خنق الدورة النقدية، مع بقاء نسبة محدودة من السيولة المتاحة داخل المصارف، ما يفاقم الركود والتضخم الكامن.

من جانبه، اعتبر خبير قانوني سابق في مصرف سوريا المركزي، فضّل عدم ذكر اسمه، أن ما يجري تجاوز الإطار التقني إلى مساس مباشر بالحقوق الاقتصادية للمواطنين، وعلى رأسها حق الملكية والتصرف بالأجر. وأشار إلى غياب تشريعات واضحة ومعلنة تحدد طبيعة القيود ومدتها وآليات الطعن بها، مؤكدًا أن القرارات الحالية ذات طابع إداري عام، ولا تستوفي الشروط الدولية التي تجيز تقييد الحقوق الاقتصادية في الحالات الاستثنائية.

إرث الفساد وضعف الثقة

يربط مختصون بين الأزمة الحالية وإرث طويل من الفساد المالي والإداري في القطاع المصرفي، شمل منح قروض متعثرة دون ضمانات كافية، واستنزاف احتياطيات المصرف المركزي، إضافة إلى تأثير العقوبات والعزلة المالية. المحامي سامر العلي، الذي عمل سابقًا مع عدة مصارف حكومية، أوضح أن هذه العوامل أدت إلى خسائر كبيرة تحمّلها المودعون في النهاية، وحوّلت المصارف إلى مؤسسات محدودة الدور، تقتصر على السحب والإيداع دون تمويل فعلي للإنتاج.

انعكاسات ميدانية على الاقتصاد

على أرض الواقع، يشكو تجار وأصحاب أعمال من شلل جزئي في أنشطتهم. شكري، تاجر أقمشة في سوق الحميدية بدمشق، قال لـ“963+” إنه عاجز عن سحب أمواله لتغطية رواتب العمال وشراء البضائع، ما يعكس معاناة شريحة واسعة من التجار والموظفين والمتقاعدين، الذين باتت أموالهم “موجودة نظريًا وغائبة عمليًا” عن السوق.

الخبير الاقتصادي فهد سرور أشار إلى أن القيود ساهمت في امتصاص جزء من الكتلة النقدية ومنع انهيار حاد في قيمة العملة، لكنها في المقابل أدت إلى نقص السيولة في السوق وارتفاع الأسعار، محذرًا من أن استمرار هذا النهج دون إصلاحات بنيوية قد يؤدي إلى مزيد من فقدان الثقة وهروب الاستثمار.

مقترحات لاستعادة الثقة

يرى خبراء أن استعادة الثقة بالنظام المصرفي تتطلب إصلاحات شاملة، تبدأ بالشفافية والإفصاح عن الأرقام الحقيقية للاحتياطيات والسيولة، مرورًا بإعادة رسملة المصارف، وتفعيل رقابة مستقلة، وصولًا إلى تحديث البنية التقنية والتشريعية. كما يؤكدون أهمية حماية صغار المودعين، ووضع جدول زمني واضح لرفع القيود عن الودائع، وإعادة تفعيل الدور التنموي للمصارف في تمويل الاقتصاد.

وفي ظل استمرار القيود الحالية، يبقى التساؤل مطروحًا حول ما إذا كانت هذه الإجراءات مؤقتة ضمن خطة إصلاح واضحة، أم أنها تمثل إعادة إنتاج لسياسات سابقة ساهمت في تعميق الأزمة الاقتصادية، بدل معالجتها.

المزيد ايضا..
اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.