إعادة ترتيب الأصول الاقتصادية في سوريا: بين المصادرة والتسوية
تفتح الإعلانات المتكررة عن تشغيل منشآت صناعية وعقد تسويات اقتصادية جديدة في سوريا باب التساؤلات حول مصير أصول رجال أعمال ارتبطت أسماؤهم بالنظام السابق، وما إذا كانت هذه الخطوات تمثل قطيعة فعلية مع مرحلة سابقة، أم إعادة ترتيب للنفوذ الاقتصادي ضمن أطر مختلفة.
ففي الوقت الذي تُعرض فيه بعض هذه التطورات على أنها مؤشرات لتعافٍ اقتصادي تدريجي، تشير قراءات صحفية وتحليلات مستقلة إلى مسارات أكثر تعقيدًا، تتداخل فيها السياسة بالاقتصاد، وتنتقل فيها الأصول من ملكيات خاصة مثيرة للجدل إلى إدارات جديدة، دون خروجها الكامل من دائرة التأثير.
معمل السكر في حسياء… مشروع قديم بإدارة جديدة
أثار إعلان محافظة حمص عن “بدء التشغيل الرسمي لأكبر معمل لتكرير السكر الخام في سوريا” في مدينة حسياء الصناعية تفاعلًا واسعًا، خصوصًا مع الحديث عن اعتماده تقنيات ألمانية وتنفيذه عبر شركة تونسية. غير أن هذا الإعلان قوبل بقراءات تشكك في كونه مشروعًا جديدًا.
الصحفي السوري فراس دالاتي، الذي عمل سابقًا على تحقيقات استقصائية مع وكالة “رويترز”، أشار إلى أن المعمل المعلن عنه هو ذاته الذي كان مملوكًا لرجل الأعمال سامر فوز وشريكه لبيب الأخوان، ويعمل سابقًا تحت اسم “مينا للسكر الكريستال”.
وبحسب دالاتي، أُسس المعمل عام 2017، ودخل مرحلة التشغيل الفعلي في ربيع عام 2021، بطاقة إنتاجية تصل إلى نحو 3500 طن يوميًا، مستخدمًا المعدات ذاتها والجهات المنفذة نفسها. ويضيف أن الجديد في الملف لا يتعلق بالتقنيات أو الطاقة الإنتاجية، بل بانتقال ملكية المعمل بعد تعثر مفاوضات التسوية مع فوز، ليصبح أحد أصول الصندوق السيادي، مع تغييرات على مستوى الإدارة.
وترافقت هذه التطورات مع تقارير إعلامية محلية أفادت بأن سامر فوز غادر سوريا إلى دولة الإمارات في نيسان/أبريل 2025، بعد فشل التوصل إلى تسوية مع السلطات. وذكرت المصادر ذاتها أن الحكومة صادرت جزءًا كبيرًا من ممتلكاته، شملت عقارات وشركات وسيارات، إلى جانب إصدار مذكرات منع سفر بحق عشرات الأشخاص المرتبطين بشبكته الاقتصادية.
ويرى متابعون أن هذه الحالة تعكس آلية تعامل مع رجال أعمال بارزين من المرحلة السابقة، تقوم على مصادرة الأصول أو نقلها إلى كيانات رسمية، مع الحفاظ على استمرارية المشاريع ضمن بنى جديدة.

تسوية حمشو والجدل حول “الإدماج”
في سياق متصل، أعلن رجل الأعمال محمد حمشو، قبل أيام، توقيع اتفاق وصفه بـ“الشامل” مع الحكومة السورية الجديدة، يهدف، وفق تصريحه، إلى تسوية وضعه القانوني وفتح صفحة جديدة. وأعاد الإعلان إلى الواجهة النقاش حول عودة شخصيات اقتصادية لعبت أدوارًا مؤثرة خلال العقدين الماضيين في ظل النظام السابق.
وتزايد الجدل بعد الكشف عن أن التسوية أُنجزت في إطار ما سُمّي “برنامج الإفصاح الطوعي” لمكافحة الكسب غير المشروع، وهو برنامج حديث نسبيًا، رأى فيه منتقدون أداة صُممت للتعامل مع حالات محددة، أكثر من كونه آلية شاملة للمساءلة.
وتساءل ناشطون ومراقبون عن قدرة الجهات المعنية على إجراء تدقيق شامل في الأصول والثروات خلال فترة زمنية قصيرة، معتبرين أن ما يجري قد يشكل تجاوزًا لمرحلة المساءلة لصالح طي صفحة الماضي.
في المقابل، أكد رئيس اللجنة الوطنية لمكافحة الكسب غير المشروع، باسل السويدان، أن تسوية حمشو لا تُعد استثناءً، بل تأتي ضمن مسار أوسع يهدف إلى استرداد المال العام وإعادة ضخه في الدورة الاقتصادية، من خلال إقرارات طوعية وتسليم جزء من الأصول للدولة.
نمط متكرر أم مرحلة انتقالية؟
بالنسبة لمنتقدي هذا المسار، فإن القاسم المشترك بين ملفي سامر فوز ومحمد حمشو يتمثل في نمط واحد: خروج أسماء من الواجهة العامة، انتقال أصولها إلى كيانات رسمية أو شبه رسمية، ثم إعادة تشغيلها بإدارات جديدة، دون نقاش علني واسع حول مصادر الثروات أو المسؤوليات السابقة.
وفي ظل غياب تفاصيل كاملة حول آليات التقييم والمساءلة، تبقى هذه الملفات موضع نقاش مفتوح، بين من يرى فيها خطوة براغماتية لإنعاش الاقتصاد، ومن يعتبرها إعادة تدوير لنفوذ اقتصادي قديم بأدوات جديدة، في مرحلة انتقالية لا تزال معاييرها غير واضحة المعالم.
اقرأ أيضاً:اتفاق شامل يثير الجدل: رجل الأعمال محمد حمشو يعلن تسوية وضعّه مع الحكومة السورية الجديدة