استبدال الليرة السورية: مخاوف من الكتل النقدية خارج البلاد وتأثيرها المحتمل
مع شروع السلطات المالية السورية في تنفيذ خطة استبدال الإصدار النقدي القديم بعملة جديدة، يتصاعد الجدل حول التداعيات الاقتصادية المحتملة لهذه الخطوة، ولا سيما ما يتعلق بالكتل النقدية الكبيرة من الليرة السورية الموجودة خارج البلاد، في دول مثل إيران والعراق ولبنان وتركيا. ويطرح هذا الملف أسئلة تتجاوز الجوانب الفنية للعملية، لتطال جوهر السياسة النقدية وأثرها على اقتصاد يعاني من ضغوط مزمنة.
وتشير تقديرات غير رسمية إلى أن مئات المليارات من الليرات السورية القديمة لا تزال متداولة أو مخزنة خارج الحدود، نتيجة تراكمات تعود لسنوات الحرب، وشبكات التجارة غير النظامية، والتهريب عبر المعابر، إلى جانب أنشطة مضاربية ومنظومات فساد نشأت خلال فترة الاضطراب الطويلة.
بين المخزون المالي والمال محل الجدل
في هذا السياق، يلفت الخبير الاقتصادي جورج خزام إلى أن هذه الكتل النقدية لا يمكن التعامل معها بوصفها مجرد أوراق مالية معطلة، موضحًا أنها لعبت في مراحل سابقة دورًا في تمويل عمليات استيراد النفط والغاز والسلع الأساسية، في ظل محدودية البدائل المتاحة آنذاك. ويرى أن هذا الواقع يجعل من الصعب اتخاذ قرارات جذرية، مثل الإلغاء أو الإتلاف، دون دراسة الآثار الاقتصادية الواسعة التي قد تترتب على ذلك.
ويحذر خزام من أن تجاهل هذا الملف أو التعامل معه بآليات غير مدروسة قد يحوّل هذه الكتل إلى عامل ضغط إضافي على الاستقرار النقدي، بدل أن تكون جزءًا من حل مرحلي لأزمة العملة.
مخاوف من مسارات غير رسمية
أحد أبرز السيناريوهات المثارة في الأوساط الاقتصادية يتمثل في احتمال تشكّل سوق غير رسمية لاستبدال العملة، تقودها شبكات وساطة عابرة للحدود، تعمل على شراء الليرات القديمة خارج سوريا بأسعار منخفضة، ثم إعادة إدخالها بطرق ملتوية إلى الداخل، بغية استبدالها بالعملة الجديدة أو تحويلها إلى عملات صعبة.
وتشير مصادر مصرفية غير رسمية إلى أن مثل هذه العمليات لا تتم دفعة واحدة، بل عبر أسلوب التجزئة التدريجية، سواء من خلال المعابر غير النظامية أو ضمن شحنات تجارية، إضافة إلى الاعتماد على شبكات صرافة غير مرخصة. ويُعتقد أن هذا النمط يحقق أرباحًا كبيرة للوسطاء، وفي الوقت ذاته يخلق مسارًا ماليًا موازيًا يحد من فاعلية الإجراءات الرسمية.
خيارات صعبة أمام السلطات
في ظل هذه المعطيات، تجد الحكومة السورية نفسها أمام خيارات معقدة. ففرض قيود صارمة على عمليات الاستبدال قد يسهم في الحد من تدفق الأموال غير الواضحة المصدر، لكنه قد يؤدي أيضًا إلى تراجع الثقة بالقطاع المصرفي وزيادة النشاط في السوق السوداء. في المقابل، فإن التساهل النسبي بهدف امتصاص الكتل النقدية تدريجيًا قد يحمل مخاطر إعادة إنتاج شبكات الفساد نفسها التي نشأت خلال سنوات الأزمة.
تأثير مباشر على القوة الشرائية
ولا تقتصر المخاوف على الجوانب الإدارية أو الرقابية، بل تمتد إلى تأثيرات مباشرة على معيشة المواطنين. إذ يحذر اقتصاديون من أن إدخال كتل نقدية كبيرة دون ضوابط واضحة قد يزيد الضغط على سعر الصرف، ويغذي معدلات التضخم، ويعمّق الفجوة بين السعر الرسمي وسعر السوق الموازية، ما ينعكس سلبًا على القدرة الشرائية للأسر.
ويرى مراقبون أن هذه العملية، في حال غياب الشفافية والعدالة، قد تتحول إلى واحدة من أكبر عمليات إعادة توزيع الثروة، بحيث تستفيد منها شبكات خارجية أو فئات محدودة، فيما يتحمل المواطن داخل سوريا كلفة تراجع قيمة العملة وارتفاع الأسعار.
إصلاح نقدي بشروط
وبحسب قراءة جورج خزام، فإن استبدال العملة كان يمكن أن يشكل خطوة إصلاحية مهمة لو رافقته آليات واضحة لتتبع مصادر الأموال، وسقوف محددة للاستبدال، ورقابة مستقلة تضمن عدم استخدام المصارف كقنوات لغسل الأموال. غير أن غياب هذه الضمانات، وفق تقديره، يفتح المجال أمام مخاطر اقتصادية قد تقوض الهدف المعلن من العملية.
وبينما تستمر السلطات في تنفيذ خطتها، يبقى ملف الكتل النقدية خارج البلاد أحد أكثر الملفات حساسية، لما يحمله من تداعيات محتملة على التضخم والاستقرار الاجتماعي، في وقت يترقب فيه السوريون ما إذا كان استبدال العملة سيمثل بداية إصلاح نقدي فعلي، أم عبئًا جديدًا يضاف إلى تحديات الاقتصاد المتعثر.
اقرأ أيضاً:ازدحام واستبدال العملة يبطئان الحوالات المالية في دمشق